قال ابن القيم: ... ونظائر ذلك لم يحتج إلى جواب القسم وكان في المقسم به ما يدل على المقسم عليه فمن هذا قوله تعالى: {ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (1) } فإن في المقسم به من تعظيم القرآن ووصفه بأنه ذي الذكر، المتضمن لتذكير العباد ما يحتاجون إليه، وللشرف والقدر ما يدل على المقسم عليه، وكونه حقًا من عند الله، غير مفترى كما يقوله الكافرون، وهذا معنى قول كثير من المفسرين، متقدميهم ومتأخريهم، أن الجواب محذوف تقديره: إن القرآن لحق. وهذا مطرد في كل ما شأنه ذلك.
وأما قول بعضهم: أن الجواب قوله تعالى: {كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ (3) } فاعْتَرَض بين القسم وجوابه بقوله {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (2) } فبعيد، لأن «كم» لا يتلقى بها القسم، فلا تقول: والله كم أنفقت مالا، وبالله كم أعتقت عبدًا. وهؤلاء لما لم يَخْفَ عليهم ذلك، احتاجوا أن يقدروا ما يتلقى بها الجواب أي: لَكَم أهلكنا. وأبعد من هذا قول من قال: الجواب في قوله: {إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ (14) } وأبعد منه قول من قال الجواب: {إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (54) } وأبعد منه قول من قال الجواب قوله: {إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (64) } . [1]
والله تعالى أعلم ونسبة العلم إليه أسلم.
(1) التبيان في أقسام القرآن (1/ 8 - 9) .