فرأى من الكوة امرأةً تغتسل عريانةً، فأعجبته، ثم انصرف فسأل عنها، فأُخْبِر أنها امرأة رجلٍ من جنده، وأنه خرج للجهاد مع الجند، فكتب داود إلى أمير تلك الحرب، أن يقدم ذلك الرجل يقاتل عند التابوت - وهو موضع قل ما تخلص أحد منه - فَقُدِّم ذلك الرجل، فقاتل حتى قتل شهيدًا، فتزوج داود امرأته، فعوتب على تعريضه ذلك الرجل للقتل، وتزوجه امرأته بعده، مع أنه كان له تسع وتسعون امرأة سواها. وقيل: إن داود هم بذلك كله ولم يفعله، وإنما وقعت المعاتبة على همه بذلك.
وروي أن السبب فيما جرى له مثل ذلك أنه أعجب بعلمه وظهر منه ما يقتضي أنه لا يخاف الفتنة على نفسه ففتن بتلك القصة. وروي أيضًا أن السبب في ذلك: أنه تمنى منزلة آبائه، إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، والتزم أن يبتلى كما ابتلوا، فابتلاه الله بما جرى له في تلك القصة». [1]
الترجيح:
قلت: وهذا الذي ذكره ابن جزي عليه رحمة الله تعالى، تبع فيه ما نقله بعض المفسرين في كتبهم من الإسرائيليات التي أخذوها عن كتب اليهود، والمشتملة على الأكاذيب الباطلة التي لا تليق بأفراد الناس فضلًا عن نبي الله داود، وقد صرفت النظر عن ذكرها وتطويل البحث بغثائها، غير أني أنقل هنا خلاصة كلام المحققين من المفسرين في التعقيب على هذه الأخبار التي لا خطم لها ولا أزمة.
قال الشيخ الأمين الشنقيطي: واعلم أن ما يذكره كثير من المفسرين في تفسير هذه الآية الكريمة، مما لا يليق بمنصب داود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، كله راجع إلى الإسرائيليات، فلا ثقة به، ولا معوّل عليه، وما جاء منه مرفوعًا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يصح منه شيء. [2]
وقال الحافظ بن كثير: قد ذكر المفسرون هاهنا قصةً أكثرها مأخوذ من الإسرائيليات، ولم يثبت فيها عن المعصوم حديث يجب اتباعه، ولكن روى ابن أبي حاتم هنا حديثًا لا يصح سنده؛ لأنه من رواية يزيد الرقاشي عن أنس -ويزيد وإن كان من الصالحين-لكنه ضعيف
(1) التسهيل في علوم التنزيل لابن جزي: ص (611 - 612) .
(2) تفسير ابن كثير (4/ 25) .