الحديث عند الأئمة. فالأولى أن يقتصر على مجرد تلاوة هذه القصة وأن يرد علمها إلى الله عز وجل فإن القرآن حق وما تضمن فهو حق أيضا. [1]
وقال القاضي عياض: لا تلتفت إلى ما سطره الأخباريون من أهل الكتاب الذين بدلوا وغيروا، ونقله المفسرون، ولم ينص الله تعالى على شيء من ذلك في كتابه، ولا ورد في حديث صحيح، والذي نص الله عليه في قصة داود: قوله: {وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ (24) } وليس في قصة داود وأوريا خبر ثابت .. وقال الداوودي: ليس في قصة داود وأوريا خبر يثبت، ولا يظن بنبي محبة قتل مسلم. [2]
وقال أبو حيان: وذكر المفسرون في هذه القصة أشياء لا تناسب مناصب الأنبياء، ضربنا عن ذكرها صفحًا، وتكلمنا على ألفاظ الآية.
قال ابن الجوزي بعد أن ذكر الأقوال: قال المصنِّف: وهذا لا يصح من طريق النقل، ولا يجوز من حيث المعنى، لأن الأنبياء منزَّهون عنه. [3]
ولقد انبرى الرازي لهذه القصة وتكلم عليها ونقضها بأشياء صحيحة وأخرى لا يسلم له بها، ولكن فيما يسلم به غنية عن غيره فقال: والذي أدين به وأذهب إليه، أن ذلك باطل ويدل عليه وجوه: [وسأذكرها مهذبة لطولها] :
الأول: أن هذه الحكاية لو نسبت إلى أفسق الناس وأشدهم فجورًا لاستنكف منها ولبالغ في تنزيه نفسه، وربما لعن من ينسبه إليها.
الثاني: أن الله تعالى أمر محمدًا - صلى الله عليه وسلم - بأن يقتدي بداود في المصابرة مع المكابدة، فكيف يليق بأحكم الحاكمين أن يأمر محمدًا - صلى الله عليه وسلم - بأن يقتدي به في الصبر، وهو لم يصبر على مخالفة النفس بل سعى في إراقة دم امراء مسلم لغرض شهوته؟.
الثالث: أن وصفه بكونه {نِعْمَ الْعَبْدُ (30) } يقتضي أن ذلك الموصوف كاملًا في موقف العبودية، تامًا في القيام بأداء الطاعات، والاحتراز عن المحظورات، ولو قلنا إن داود عليه السلام اشتغل بتلك الأعمال الباطلة، فحينئذٍ ما كان داود كاملا في عبوديته لله تعالى، بل
(1) أضواء البيان (6/ 339) .
(2) الشفا بالتعريف بحقوق المصطفى 2/ 827 - 828).
(3) زاد المسير (7/ 115) .