فأخذ كتابه فلفه في عمامته وانطلق وأما عيينة فأخذ كتابه وأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - مكانه فقال يا محمد أتراني حاملا إلى قومي كتابا لا أدري ما فيه كصحيفة المتلمس فأخبر معاوية بقوله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من النار) . [1]
وأما ما ذكروا عن الشعبي أنه قال: ما مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى قرأ وكتب، فهذا القول يحتج له ولا يحتج به فهو مفتقر إلى ما يدل له في الحقيقة. وقال عنه السمعاني بعدما نقله: وهو قول ضعيف لا يعتمد عليه وأظنه أنه لا يصح عن الشعبي هذا، لأنه كان عالمًا كبيرًا. [2] وقال الحافظ ابن كثير: وما أورده بعضهم من الحديث أنه لم يمت، عليه السلام حتى تعلم الكتابة، فضعيف لا أصل له. [3]
وأما ما نقله ابن حجر من تعليلات لهم في ذلك ومنه قولهم:
أنه لا يلزم من كتابة اسمه الشريف في ذلك اليوم وهو لا يحسن الكتابة أن يصير عالما بالكتابة ويخرج عن كونه أميا، فإن كثيرا ممن لا يحسن الكتابة يعرف تصور بعض الكلمات ويحسن وضعها وخصوصا الأسماء، ولا يخرج بذلك عن كونه أميا ككثير من الملوك.
وقولهم: أنه يحتمل أن يكون جرت يده بالكتابة حينئذ وهو لا يحسنها فخرج المكتوب على وَفْق المراد فيكون معجزة أخرى في ذلك الوقت خاصة، ولا يخرج بذلك عن كونه أميا.
فقد تعقب ذلك السهيلي وغيره بأن هذا وإن كان ممكنا ويكون آية أخرى لكنه يناقض كونه أميا لا يكتب، وهي الآية التي قامت بها الحجة وأفحم الجاحد وانحسمت الشبهة. فلو جاز أن يصير يكتب بعد ذلك لعادت الشبهة. وقال المعاند: كان يحسن يكتب لكنه كان يكتم ذلك، قال السهيلي: والمعجزات يستحيل أن يدفع بعضها بعضا، والحق أن معنى قوله: «فكتب» أي: أمر عليا أن يكتب. انتهى.
(1) تقدم في: (ص: 56) وهو صحيح.
(2) تفسير السمعاني (4/ 179) .
(3) تفسير ابن كثير (1/ 113) .