وفي شرح العقيدة الواسطية: َقَوْلُهُ: {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ (75) } ، {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ (64) } . [المائدة]
قَوْلُهُ: {مَا مَنَعَكَ (75) } إلخ. تضمنت هاتان الآيتان إثبات اليدين صفة حقيقية له سبحانه على ما يليق به، فهو في الآية الأولى يوبخ إبليس على امتناعه عن السجود لآدم، الذي خلقه بيديه. ولا يمكن حمل اليدين هنا على القدرة؛ فإن الأشياء جميعًا حتى إبليس خلقها الله بقدرته، فلا يبقى لآدم خصوصية يتميز بها.
وفي حديث عبدالله بن عمر: (إن الله عز وجل خلق ثلاثة أشياء بيده: خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس جنة عدن بيده) . [1] فتخصيص هذه الثلاثة بالذكر مع مشاركتها لبقية المخلوقات في وقوعها بالقدرة، دال على اختصاصها بأمر زائد.
وأيضًا؛ فلفظ اليدين بالتثنية لم يُعرف استعماله إلا في اليد الحقيقية، ولم يَرد قط بمعنى القدرة أو النعمة؛ فإنه لا يسوغ أن يقال: خلقه الله بقدرتين أو بنعمتين، على أنه لا يجوز إطلاق اليدين بمعنى النعمة أو القدرة أو غيرهما، إلا في حق من اتصف باليدين على الحقيقة، ولذلك لا يقال: للريح يد، ولا للماء يد.
وأما احتجاج المعطلة بأن اليد قد أفردت في بعض الآيات، وجاءت بلفظ الجمع في بعضها؛ فلا دليل فيه؛ فإن ما يُصنع بالاثنين قد ينسب إلى الواحد؛ تقول: رأيت بعيني، وسمعت بأذني، والمراد: عيناي، وأذناي، وكذلك الجمع يأتي بمعنى المثنى أحيانا؛ كقوله تعالى: {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا (4) } (التحريم: 4) والمراد: قلباكما.
وكيف يتأتى حمل اليد على القدرة أو النعمة، مع ما ورد من إثبات الكف والأصابع واليمين والشمال والقبض والبسط وغير ذلك، مما لا يكون إلا لليد الحقيقية؟! وفي الآية الثانية يحكي الله سبحانه مقالة اليهود - قبحهم الله - في ربهم، ووصفهم إياه - حاشاه - بأن يده مغلولة؛ أي: ممسكة عن الإنفاق. ثم أثبت لنفسه سبحانه عكس ما قالوا، وهو أن يديه
(1) أخرجه ابن بطة في الإبانة عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: «إن الله خلق بيده أربعة أشياء: آدم والقلم والعرش وجنات عدن، واحتجب من خلقه بأربعة: بنار وظلمة ونور وظلمة، وقال: لسائر الخلق: كن فكان» وقال المحقق عثمان الأثيوبي: صحيح. الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية (3/ 299) .