فهرس الكتاب

الصفحة 673 من 972

وهذا الذي قاله الإمام - رضي الله عنه -، ثابت بالأدلة القاطعة، قال تعالى: {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ (75) } . {وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ (67) } [الزمر] ... ولا يصح تأويل من قال: إن المراد باليد القدرة، فإن قوله: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ (75) } لا يصح أن يكون معناه: بقدرتي. مع تثنية اليد، ولو صح ذلك لقال إبليس: وأنا أيضًا خلقتني بقدرتك، فلا فضل له عليَّ بذلك. فإبليس -مع كفره - كان أعرف بربه من الجهمية. ولا دليل لهم في قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (71) } . [يس] لأنه تعالى جمع الأيدي لما أضافها إلى ضمير الجمع، ليتناسب الجمعان، فاللفظان للدلالة على الملك والعظمة. ولم يقل: «أيدي» مضافا إلى ضمير المفرد، ولا «يدينا» بتثنية اليد مضافا إلى ضمير الجمع. فلم يكن قوله: {مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا (71) } نَظِيرَ قَوْلِهِ: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ (75) } . وَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ: (حِجَابُهُ النُّورُ، وَلَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ) . [1]

ولكن لا يقال لهذه الصفات إنها أعضاء، أو جوارح، أو أدوات، أو أركان، لأن الركن جزء الماهية، والله تعالى هو الأحد الصمد، لا يتجزأ سبحانه وتعالى، والأعضاء فيها معنى التفريق والتعضية، تعالى الله عن ذلك؛ ومن هذا المعنى قوله تعالى: {الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (91) } [الحجر] والجوارح فيها معنى الاكتساب والانتفاع. وكذلك الأدوات هي الآلات التي ينتفع بها في جلب المنفعة ودفع المضرة. وكل هذه المعاني منتفية عن الله تعالى، ولهذا لم يرد ذكرها في صفات الله تعالى. فالألفاظ الشرعية صحيحة المعاني، سالمةٌ من الاحتمالات الفاسدة، فكذلك يجب أن لا يُعْدل عن الألفاظ الشرعية نفيًا ولا إثباتًا، لئلا يثبت معنىً فاسد، أو يُنفى معنى صحيح. وكل هذه الألفاظ المجملة عرضةٌ للمُحِق والمبطل. [2]

(1) الحديث: أخرجه الإمام مسلم عن أَبِي موسى قال: قام فِينا رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِخَمْسِ كلماتٍ فقال: (إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَنَامُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ حِجَابُهُ النُّورُ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ النَّارُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ) . صحيح مسلم - (1/ 419) .

(2) شرح الطحاوية في العقيدة السلفية (2/ 27) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت