وما ذكره ابن جزي عليه رحمة الله إما مجاز وإما حقيقة تفتقر إلى دليل، فلا يسلم له لا بهذا ولا بهذا. ولابد من حمل اللفظ على الحقيقة، وإذا كان الأمر كذلك علمت أن أقرب ما يكون إلى الصواب ما ذكره ابن عاشور والشيخ الأمين الشنقيطي رحمهما الله تبارك وتعالى.
فأما ابن عاشور فاستحسن أن يكون إنزالًا حقيقيًا بإنزال أصولها من سفينة نوح كقوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ (11) } [الأعراف:11] ، أي خلقنا أصلكم وهو آدم، قال تعالى: {قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ (40) } [هود:40] فيكون الإِنزال هو الإِهباط قال تعالى: {قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ (48) } [هود:48] . وهذا أحد التأويلين الذين استحسنهما ابن عاشور في تأويل الإنزال وقرر أنه أحسن من تأويل المفسرين إنزال الأنعام بمعنى الخلق، أي لأن خلقها بأمر التكوين الذي ينزل من حضرة القدس إلى الملائكة. [1]
وأما الشيخ الأمين الشنقيطي فقد قرر في سورة الحديد عند قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ (25) } [الحديد] بأن معنى ذلك أن الله تبارك وتعالى أنزل الحديد أي: خلقه لبني آدم ليردع به المؤمنون الكافرين المعاندين، وهو قتلهم إياهم بالسيوف والرماح والسهام. [2]
ومن هنا فإنه يمكن القول بأن الراجح في الآية إما أن يكون المراد بالإنزال هو إنزال أصولها من سفينة نوح بعد الطوفان، فإن الله تعالى قال: {قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ (40) } .
أو يكون الإنزال بمعنى الخلق، فيكون المعنى: وخلق لكم من الأنعام ثمانية أزواج. والذي تميل إليه النفس هو الثاني لورود هذا المعنى في غير ما آية من كتاب الله تعالى كقوله: جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ (11) (الشورى: 11) وقوله: {اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (79) } (غافر: 79) وقوله: وَالْأَنْعَامَ
(1) تفسير التحرير والتنوير (23/ 332 فأحدهما مجازي أعرضت عنه وهو بمعنى ذلل تقول نزل فلان على حكم فلان أي تذلل له. والآخر ما ذكرته.
(2) أضواء البيان (7/ 550) ، وهو من آخر ما كتبه في أضواء البيان حيث وصل رحمه الله إلى نهاية سورة المجادلة ثم أتمه تلميذه الشيخ عطية سالم رحمهما الله جميعًا.