وممن ذكر هذا من المفسرين: الماوردي [1] والبغوي [2] والزمخشري [3] وابن عطية [4] والقرطبي. [5]
وهذا القول هو الذي رجحه الشيخ الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى وقرر أن المراد بالقول هو ما جاء من وحي الكتاب والسنة كقوله تعالى: {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ (68) } [المؤمنون:68] وقوله تعالى: {إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (13) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (14) } [الطارق:13 - 14] .
وأن المراد بقوله تعالى: {فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ (18) } أي يقدمون الأحسن، الذي هو أشد حسنًا، على الأحسن الذي هو دونه في الحسن. واستدل على ذلك بعددٍ من الآيات في كتاب الله. وبين أن الواجب أحسن من المندوب، وأن المندوب أحسن من مطلق الحسن، فإذا سمعوا مثلًا قوله تعالى: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77) } [الحج:77] قدموا فعل الخير الواجب، على فعل الخير المندوب، وقدموا هذا الأخير، على مطلق الحسن الذي هو الجائز. ثم بَيَّن أمثلةً فيها الترغيب في الأخذ بالأحسن وأفضليته مع جواز الأخذ بالحسن فمن ذلك:
قوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (126) } [النحل:126] فالأمر في قوله: {فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ (126) } للجواز، والله لا يأمر إلا بحسن. فدل ذلك على أن الانتقام حسن، ولكن الله بين أن العفو والصبر، خير منه وأحسن في قوله: {وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (126) } وأمثال ذلك كثيرة في القرآن، كقوله تعالى في إباحة الانتقام {وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (41) } [الشورى:41] مع أنه بين أن الصبر والغفران خير منه، في قوله تعالى: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (43) } [الشورى:43] وكقوله في جواز الانتقام {لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ (148) } [النسا:148] مع أنه أشار إلى أن العفو خير منه، و أنه من صفاته جل وعلا مع كمال قدرته وذلك في قوله بعده: {إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (149) } [النساء:149] .
(1) النكت والعيون تفسير الماوردي (5/ 120) .
(2) تفسير البغوي (4/ 75) .
(3) الكشاف (4/ 122) .
(4) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (4/ 525) .
(5) تفسير القرطبي (15/ 244) .