وكقوله جل وعلا مثنيًا على من تصدق، فأبدى صدقته {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ (271) } [البقرة:271] ثم بين أن إخفاءها وإيتاءها الفقراء، خير من إبدائها الذي مدحه بالفعل الجامد، الذي هو لإنشاء المدح الذي هو نِعِمّ، في قوله {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ (271) } [البقرة:271] .
وكقوله في نصف الصداق اللازم، للزوجة بالطلاق، قبل الدخول، فنصف ما فرضتم، ولا شك أن أخذ كل واحد من الزوجين النصف حسن، لأن الله شرعه في كتابه في قوله: {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ (237) } [البقرة:237] مع أنه رغب كل واحدٍ منهما، أن العفو للآخر عن نصفه، وبين أن ذلك أقرب للتقوى، وذلك في قوله بعده {وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ (237) } [البقرة:237] .
وقد قال تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا (40) } الشورى: 40] ثم أرشد إلى الحسن بقوله: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ (40) } [الشورى:40] وقال تعالى: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ (45) } [المائدة:45] ثم أرشد إلى الأحسن في قوله: {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ (45) } [المائدة:45] . [1]
القول الثالث: أن المراد بذلك: الذي يستمع حديثًا فيه حسنٌ وقبيح، فيتحدث بالحسن ويكف عما سواه، وهذا قول ابن عباس وابن السائب.
قال الماوردي: هو الرجل يسمع الحديث من الرجل فيحدث بأحسن ما يسمع منه، ويمسك عن أسوئه فلا يتحدث به، قاله ابن عباس. [2] وممن ذكر ذلك من المفسرين: الزمخشري [3] والقرطبي [4] وابن الجوزي. [5]
(1) أضواء البيان (6/ 356) .
(2) النكت والعيون تفسير الماوردي (5/ 120) .
(3) الكشاف (4/ 122) .
(4) تفسير الطبري (23/ 204) .
(5) زاد المسير (7/ 168) .