فهرس الكتاب
ونقل الشوكاني كلام الفراء والزجاج ثم قال: وقيل: معنى {مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ (22) } من أجل ذكره الذي حقه أن تنشرح له الصدور، وتطمئن به القلوب. والمعنى: أنه إذا ذكر الله اشمأزوا، والأول أولى، ويؤيده قراءة من قرأ عن ذكر الله. [1]
وقد ذكر الرازي إن النفس إذا كانت خبيثة الجوهر كَدِرَة العنصر بعيدة عن مناسبة الروحانيات شديدة الميل إلى الطبائع البهيمية والأخلاق الذميمة، فإن سماعها لذكر الله يزيدها قسوةً وكدورةً. وتقرير هذا الكلام بالأمثلة فإن الفاعل الواحد تختلف أفعاله بحسب اختلاف القوابل، كنور الشمس يُسَوِّد وجه القَصَّار ويبيض ثوبه، وحرارة الشمس تُلَيِّن الشمع وتَعْقِد الملح، وقد نرى إنسانًا واحدًا يذكر كلامًا واحدًا في مجلس واحد، فيستطيبه واحدٌ ويستكرهه غيره. [2] وقد ذكر ابن هشام هذا القول في مغني اللبيب بصيغة التمريض. [3]
القول الثاني: أن قوله {قاسية} متضمن معنى خالية فلذلك تعدى بـ «من» والمعنى: أن قلوبهم خالية من ذكر الله. قال السمعاني وقوله: {فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ (22) } أي: الذين لا يذكرون الله، وكل من ترك ذكر الله فقد قسا قلبه. [4]
الترجيح:
والراجح والعلم عند الله تعالى أن ما رجحه ابن جزي هو البعيد وأن الراجح ما ذهب إليه الفراء والزجاج، من أن المعنى أن هؤلاء قست قلوبهم عن ذكر الله تعالى فلم تلن له، ولم تقبله، بل يَزِل الذكر عنها كما يزل القطر عن الصخر.
قال ابن هشام في معرض حديثه عن معاني «من» أنها: [تقع] مرادفة «عن» نحو: {فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ (22) } و {يَاوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا (97) } [الأنبياء] . [5]
وأما الاحتمال الثاني وهو أن قلوبهم قست من ذكر الله لما اعتقدوا في كلام الله أنه كذب فقست قلوبهم فهو محتمل. وأما قوله تعالى وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا
(1) فتح القدير (4/ 456) .
(2) التفسير الكبير (26/ 231) .
(3) مغني اللبيب عن كتب الأعاريب: (1/ 121) .
(4) السمعاني (( 4/ 465) .
(5) مغني اللبيب عن كتب الأعاريب: (1/ 121) .