القول الرابع: أن معنى ظاهرًا: أي زائلٌ وذاهبٌ. قال ابن عطية: وقالت فرقة: معناه ذاهبًا زائلًا، أي يعلمون أمور الدنيا التي لا بقاء لها ولا عاقبة، ومثل هذه اللفظة قول الهذلي:
وعيرها الواشون أني أحبها ... وتلك شكاة ظاهر عنك عارها. [1]
القول الخامس: أن المراد بالظاهر المعرفة بأمور الدنيا ومصالحها.
قال ابن عباس في قوله تعالى: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} يعني معايشهم، متى يحصدون ومتى يغرسون. وعنه أيضًا أنه قال: يعني الكفار، يعرفون عمران الدنيا، وهم في أمر الدين جهال. وقال عكرمة: هم الخرازون والسراجون. وقال إبراهيم: معايشهم وما يصلحهم. وقال قتادة: من حرفتها وتصرفها وبغيتها. [2]
قال الحسن: ليبلغ من حذق أحدهم بأمر دنياه، أنه يقلب الدرهم على ظفره فيخبرك بوزنه، وما يحسن يصلي. [3]
الترجيح:
بالتمعن في الأقوال السابقة، نجد أن القول الأول والقول الثاني لا فرق بينهما في المعنى، وذلك أن المقصود: هو قصر أفهام الكفار على ما يدرك بالحس المادي، وأما ما يتعلق بعلوم الغيب من الآخرة والبعث والحساب والجنة والنار فهم عنه غافلون.
وأما القول الثالث والذي حكاه ابن عطية عن ابن عباس والحسن والجمهور على حد قوله فالذي يظهر والعلم عند الله أنه استنباط من تفسير ابن عباس والحسن وبقية المفسرين إذ أن هؤلاء المفسرين كما سبق ونقلنا عباراتهم أنهم ذكروا أن المعنى هو معرفتهم بأوقات الزرع والحرث والغراس والمباني والتجارات؛ ولم يذكروا أن معنى {ظَاهِرًا} هو العلو والارتفاع في
(1) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (4/ 327) . والبيت لأبي ذؤيب الهذلي. أنظر خزانة الأدب (3/ 422) .
(2) تفسير الطبري (21/ 15) ، وتفسير ابن أبي حاتم: (9/ 3088) تفسير القرطبي (14/ 5) . والدر المنثور (6/ 484) .
(3) انظر تفسير القرطبي (14/ 5) .