فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 972

الدنيا. ولعل هذا تفسير باللازم، إذ أن المعرفة بهذه الأمور تؤدي إلى الارتفاع في الدنيا والظهور والبروز. والعلم عند الله.

وأما القول الرابع الذي بمعنى الزوال والذهاب فهذا له وجه، إذ أن علم الدنيا ومعاشاتها قصير المدى نهايته إلى الزوال عند أهل العقول.

وأما القول الخامس فهذا قول جمهور المفسرين وهو الذي اتفقت عليه جل عباراتهم رحمهم الله تعالى. والذي يترجح هو القول بالعموم، وذلك لعدة أمور:

الأمر الأول: أن القول بالعموم ينتظم جميع الأقوال، والآية محتملة لكل هذه المعاني، مع السلامة من التدافع.

الأمر الثاني: أن هذا هو المتفق مع قواعد التفسير فمن ذلك:

أن القاعدة تقول: عامة ألفاظ القرآن تدل على معنيين فأكثر. والقاعدة الأخرى تقول: الكلمة إذا احتملت وجوهًا لم يكن لأحد صرف معناها إلى بعض وجوهها دون بعض إلا بحجة. [1] ومما يؤيد ما ذهبت إليه ما ذكره الشيخ الأمين الشنقيطي رحمه الله حول هذه الآية حيث قال رحمه الله تعالى:

اعلم أنه يجب على كل مسلم في هذا الزمان أن يتدبّر آية «الروم» هذه تدبّرًا كثيرًا، ويبيّن ما دلّت عليه لكل من استطاع بيانه له من الناس.

وإيضاح ذلك أن من أعظم فتن آخر الزمان التي ابتلى الله بها ضعاف العقول من المسلمين، شدّة إتقان الإفرنج لأعمال الحياة الدنيا، ومهارتهم فيها على كثرتها، واختلاف أنواعها مع عجز المسلمين عن ذلك، فظنوا أن من قدر على تلك الأعمال أنه على الحق، وأن من عجز عنها متخلّف وليس على الحق، وهذا جهل فاحش، وغلط فادح. وفي هذه الآية الكريمة إيضاح لهذه الفتنة، وتخفيف لشأنها أنزله الله في كتابه قبل وقوعها بأزمان كثيرة، فسبحان الحكيم الخبير ما أعلمه، وما أعظمه، وما أحسن تعليمه.

فقد أوضح جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة أن {أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} ويدخل فيهم أصحاب هذه العلوم الدنيوية دخولًا أوليًّا، فقد نفى عنهم جلَّ وعلا اسم العلم بمعناه

(1) انظر مختصر قواعد التفسير للسبت: ص (26) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت