قال ابن عاشور: «بلى» حرفٌ لإِبطالٍ منفيٍّ، أو فيه رائحة النفي، لقصد إثبات ما نُفِي قبله، فتعين أن تكون هنا جوابًا لقول النفس {لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (57) } [الزمر: 57] لما تقتضيه «لو» التي استعملت للتمنّي من انتفاء مَا تمناه، وهو: أن يكون الله هداه ليكون من المتقين، أي: لم يهدني الله فلم أتق. وجملة: {قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي (59) } تفصيل للإبطال، وبيان له، وهو مِثل الجواب بالتسليم بعد المَنع، أي: هداك الله. [1]
القول الثاني: أن «بلى» جواب لقوله: {لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً (58) } . ومعنى الكلام على هذا القول: أنه تمنى لو أن الله يعيده إلى الدنيا فيكون من المتقين. فأجابه: بلى قد جاءتك آياتي في الدنيا فاستكبرت.
قال ابن جرير: ما القول كما تقولون: {بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ (59) } أيها المتمني على الله الرد إلى الدنيا لتكون فيها من المحسنين. [2]
وقال البغوي: {لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً (58) } رجعة إلى الدنيا {فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (58) } الموحدين. ثم يقال لهذا القائل: {بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي (59) } . [3]
وقال ابن عطية: وقوله: {بَلَى (59) } جواب لنفي مقدر في قولة هذه النفس كأنها قالت: فعمري في الدنيا لم يتسع للنظر، أو قالت: فإني لم يتبين لي الأمر في الدنيا ونحو هذا. [4]
الترجيح:
والراجح والعلم عند الله تعالى هو ما رجحه ابن جزي عليه رحمة الله تعالى، وذلك لأنه موافق لسياق الآيات، ودلالة السياق توضح الراجح عند الاختيار فقوله تعالى: {بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي (59) } يناسب قول النفس المتعللة: {لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي (57) } فمجيء الآيات هو سبب الهداية، فنقض تعللها.
(1) تفسير التحرير والتنوير (24/ 40) .
(2) تفسير الطبري (24/ 21) .
(3) تفسير البغوي (4/ 85) .
(4) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (4/ 538) .