فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 972

قال ابن عاشور: وحرف «في» من قوله: «في أنفسهم» : يجوز أن يكون للظرفية الحقيقية الاعتبارية فيكون ظرفًا لمصدر «يتفكرون» أي: تفكرًا مستقرًا في أنفسهم. وموقع هذا الظرف مما قبله موقع معنى الصفة للتفكر. وإذ قد كان التفكر، إنما يكون في النفس، فَذكر «في أنفسهم» لتقوية تصوير التفكر، وهو كالصفة الكاشفة، لتقرر معنى التفكر عند السامع، كقوله: {وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ} (العنكبوت: 48) وقوله: {وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} (الأنعام: 38) وتكون جملة {مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} إلخ على هذا مبينة لجملة «يتفكرون» إذ مدلولها هو ما يتفكرون فيه كقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ} (الأعراف:184) . [1]

القول الثاني: أن يكون المعنى أو لم يتفكروا في ذواتهم وخلقتهم ليستدلوا بذلك على الخالق ويكون قوله: {مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ} الآية. استئناف كلام.

قال الزمخشري: «في أنفسكم» : ... أن يكون صلة للتفكر كقولك تفكر في الأمر وأجال فيه فكره. و «ما خلق» متعلق بالقول المحذوف، معناه: أو لم يتفكروا فيقولوا هذا القول ... فإن قلت: إذا جعلت «في أنفسهم» صلة للتفكر فما معناه؟ قلت: معناه: أولم يتفكروا في أنفسهم التي هي أقرب إليهم من غيرها من المخلوقات، وهم أعلم وأخبر بأحوالها منهم بأحوال ما عداها. [2]

قال ابن عطية: أن تكون الفكرة في ذواتهم وحواسهم وخلقتهم ليستدلوا بذلك على الخالق المخترع ... فيفهم على طريقة الإيجاز والاختصار أن من فكر في نفسه علم حقيقة هذا الخبر ووقف عليه ببصيرة نفسه. [3]

قال ابن عاشور: يجوز أن يكون «في» للظرفية المجازية متعلقة بفعل «يتفكرون» تعلق المفعول بالفعل، أي يتدبروا ويتأملوا في أنفسهم. والمراد بالأنفس: الذوات، فهو في معنى قوله تعالى: {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21) } (الذاريات: 21) فإن حق النظر المؤدي إلى معرفة الوحدانية وتحقق البعث أن يبدأ بالنظر في أحوال خلقة الإنسان، قال تعالى: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ

(1) تفسير التحرير والتنوير (21/ 52) .

(2) الكشاف (3/ 473) .

(3) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (4/ 329) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت