أراد كل النفوس. وفي القرآن: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ (30) } [النور] و «من» هذه للتبعيض والمراد يغضوا أبصارهم كلها. [1]
القول الثاني: أن {بَعْضُ (28) } على بابها، وأن الذي يصيبهم هو كل ما وعدهم به موسى، واستعملها هنا للملاطفة في الكلام، وإيهام المخاطب بأنه يسلك طريق المنصف، وذلك بدعوته للتأمل في حجج الخصم، وترك الاستعجال في قتله.
وقد ذكر المفسرون بعض التعليلات لاستخدامه كلمة بعض في هذا الموطن فمنها:
الأول: ما ذكر الزمخشري: أنه احتاج في مقاولة خصوم موسى ومنا كريه إلى أن يلاطفهم ويداريهم، ويسلك معهم طريق الإنصاف في القول، ويأتيهم من وجهة المناصحة، فجاء بما علم أنه أقرب إلى تسليمهم لقوله، وأدخَلُ في تصديقهم له، وقبولهم منه، فقال: {وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ (28) } وهو كلام المنصف في مقاله، غير المشتط فيه، ليسمعوا منه ولا يردّوا عليه، وذلك أنه حين فَرَضَه صادقًا فقد أثبت أنه صادق في جميع ما يعد، ولكنه أردفه {يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ (28) } ليهضمه بعض حقه في ظاهر الكلام، فيريهم أنه ليس بكلام من أعطاه حقه وافيًا، فضلًا أن يتعصب له. وتقديمه الكاذب على الصادق أيضًا من هذا القبيل، وكذلك قوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (28) } . [2]
الثاني: ما ذُكِر عن الليث أنه قال: {بَعْضُ} صلة. يريد: يصبكم الذي يعدكم. [3]
الثالث: قال أهل المعاني: هذا على الظاهر في الحجاج كأنه قال: أقل ما في صِدْقه أن يصيبكم بعض الذي يعدكم، وفي بعض ذلك هلاككم، فذكر البعض ليوجب الكل. [4]
الرابع: أنه وعدهم النجاةَ إن آمنوا، والهلاكَ إن كفروا، فدخل ذِكْر البعض، لأنهم على أحد الحالين، إما النجاة وإما الهلاك. [5]
(1) فقه اللغة للثعالبي: (1/ 90) ، وانظر: شرح شافية ابن الحاجب (4/ 415) .
(2) الكشاف (4/تفسير التحرير والتنوير(24/ 117) .
(3) تفسير البغوي (4/ 96) ، وزاد المسير (7/ 215) .
(4) تفسير البغوي (4/ 96) ، وزاد المسير (7/ 215) .
(5) زاد المسير (7/ 215) ، تفسير القرطبي (15/ 307) النكت والعيون تفسير الماوردي (5/ 151) .