ومن ذلك ما جاء في حديث الصور: إن الأرض إذا زلزلت وانشقت من قطر إلى قطر، وماجت وارتجت، فنظر الناس إلى ذلك ذهبوا هاربين ينادي بعضهم بعضا. فروى أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «يأمرُ اللهُ عز وجل إِسرافيلَ بالنَّفخة الأولى فيقول: انفُخْ نفخةَ الفزع، فيفزَعُ أهلُ السموات والأرض إِلاّ من شاء الله، فتُسيَّر الجبالُ، وتُرَجُّ الأرض. وتَذْهَلُ المراضعُ، وتضع الحواملُ، ويولِّي الناس مُدْبِرين ينادي بعضهم بعضًا. وهو قوله: {يَوْمَ التَّنَادِ (32) } وهذا قول الضحاك والسدي. [1]
وقيل: أنه إذا جيء بجهنم، ذهب الناس هِرَابا، فتتلقاهم الملائكة فتردهم إلى مقام المحشر، وهو قوله تعالى: {وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا (17) } [الحاقة: 17] وقوله {يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (33) } [الرحمن:33] . وقد روي عن ابن عباس، والحسن، والضحاك: أنهم قرأوا: {يَوْمَ التَّنَادِ (32) } بتشديد الدال من ند البعير: إذا شرد وذهب. [2] وقيل: لأن الميزان عنده ملك، وإذا وزن عمل العبد فرجح نادى بأعلى صوته: ألا قد سعد فلان بن فلان سعادة لا يشقى بعدها أبدا. وإن خف عمله نادى: ألا قد شقي فلان بن فلان. [3]
الترجيح: والراجح والعلم عند الله تعالى هو القول بالعموم لأنه في ذلك اليوم يكثر نداء الخلائق بعضهم لبعض في عرصات الموقف، وتناديهم الملائكة لأخذ كتبهم بالأيمان والشمائل، ويناديهم الله تعالى للحساب والسؤال، ويتنادى أصحاب النار وأصحاب الجنة، وهذا كله في يوم القيامة، وينادى حين يذبح الموت، كما جاء في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح، فينادي منادٍ يا أهل الجنة: فيشرئبون وينظرون. فيقول: هل تعرفون هذا؟. فيقولون: نعم، هذا الموت. وكلهم قد رآه. ثم ينادي يا أهل النار: فيشرئبون وينظرون. فيقول: هل تعرفون هذا؟. فيقولون: نعم، هذا الموت. وكلهم قد رآه؛ فَيُذبح. ثم يقول: يا أهل الجنة، خلودٌ فلا موت، ويا أهل النار خلودٌ فلا
(1) تفسير الطبري (24/ 60) .
(2) تفسير الطبري (24/ 60) ، وتفسير البغوي (4/ 96) . قرأ بها ابن عباس والكلبي والضحاك انظر: المحتسب لابن جني 2/ 243 وشواذ القراءات للكرماني 418
(3) وتفسير البغوي (4/ 96) .