قال ابن عاشور: والطريقة التي يُرَجَّح سُلوكُها هي: أن هنا ضمائر عشرة، هي ضمائر جمع الغائبين، وأن بعضها عائدٌ لا محالة على {الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ (82) } وأن وجه النَّظْم أن تكون الضمائر متناسقة غير مفككةٍ، فلذا يتعين أن تكون عائدة إلى معادٍ واحد، فالذين {فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ (83) } هم {جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ (83) } وهم الذين {وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (83) } والذين رأوا بأس الله. [1]
القول الثاني: أن الضمير يعود على الرسل. ومعناه: فرحت الرسل بما عندهم من العلم بنجاتهم، وهلاك أعدائهم، لما رأوا جهلهم المتمادي، واستهزائهم بالحق، وعلموا سوء عاقبتهم، وما يلحقهم من العقوبة. أو فرحوا بما عندهم من العلم بالله والثقة به، وبأنه سينصرهم.
وهذا القول حكاه الماوردي عن ابن عيسى [2] وحكاه ابن الجوزي عن أبي سليمان الدمشقي [3] وذكره الزمخشري [4] وابن عطية [5] والقرطبي [6] وحكاه الألوسي عن الجبائي. [7]
الترجيح:
والراجح والعلم عند الله تعالى هو القول الأول وهو الذي رجحه ابن جزي عليه رحمة الله تعالى وذلك لعدة أمور:
الأمر الأول: أن الأصل عند تعاقب الضمائر أن يتحد مرجعها. وقوله تعالى: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ} لا شك في أن الضمير في جاءتهم عائد على الأمم المكذبة. وهذا أول الآية وقال في آخرها: {وَحَاقَ بِهِمْ} وهو أيضًا مقطوع بعوده إلى الأمم المكذبة. فكيف يسوغ أن يأتي بينهما بضمير مخالف لهما وهو قوله: {فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ} ؟
(1) تفسير التحرير والتنوير (24/ 221) .
(2) النكت والعيون تفسير الماوردي (5/ 164) .
(3) زاد المسير (7/ 234) .
(4) الكشاف (4/ 186) .
(5) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (4/ 572) .
(6) تفسير القرطبي (15/ 336) .
(7) روح المعاني (24/ 91) .