فهرس الكتاب

الصفحة 97 من 972

الترجيح: والراجح والعلم عند الله تعالى هو أن المراد بالفطرة، فطرة الدين، أي أن الله تعالى خلق الناس على الفطرة وهي دين الإسلام، ومعنى {لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} . يدخل ضمنها النهي عن تبديل شريعة الله، والنفي لأن تتغير سنة الله في فَطْرِه للناس على هذا الدين ويدل على هذا الترجيح عدة أمور:

الأمر الأول: أن هذا هو مدلول سياق الآية، وكما هو معلوم في قواعد التفسير فإن دلالة السياق من الأمور التي يحتكم إليها في معنى الآية عند الاحتمال.

ومن قواعد التفسير: أن السياق يرشد إلى بيان المجمل، وتعيين المحتمل، والقطع بعدم احتمال غير المراد وتخصيص العام وتقييد المطلق وتنوع الدلالة. [1]

وإذا نظرت إلى سياق الآية فإنك تجدها ظاهرة الدلالة على ما ذكرنا، فتأمل قوله تعالى {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا} فابتدأ الكلام بالأمر بإقامة الوجه للدين مستقيمًا على تعاليمه وشرائعه، ثم قال: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} أي أن هذا الدين هو ما فطر الله عليه الخلائق كلهم، خلقهم حنفاء ثم اجتالتهم الشياطين كما في الصحيح، [2] ويدل له أيضًا حديث النبي - صلى الله عليه وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه .. ) [3] ثم بين بعد ذلك أن هذه الفطرة التي قضى الله بها على عباده وهي خَلْقُهم حنفاء مستقيمين غير ضالين ولا زائغين محبين للخير مبغضين للشر، لا تتغير ولا تتبدل، وهي مقتضى العدل الإلهي الرباني، بأن يخلق العباد على الاستقامة بدايةً، ثم من زاغ بعد ذلك عن طريق الهداية فهو المستحق للعقوبة المتعرض لسخط الخالق كما قال الله: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10) } وقوله سبحانه: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28) } فقال: {لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} . ثم بعد ذلك أشار إلى هذه الفطرة العظيمة المستقيمة السوية بما يدل على علو مكانتها وسموها ورفعة منزلتها، فقال: {ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} وهذا ختام بما ابتدأت الآية به وهو الكلام عن الدين. فهذا السياق كما رأيت واضح جلي في بيان مراد الآية والله أعلم بمراده.

(1) انظر: مختصر قواعد التفسير للسبت: ص (24 - 26) .

(2) الحديث: صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه: (14/ 24) .

(3) الحديث: صحيح. أخرجه البخاري: (5/ 182) ، ومسلم: (13/ 127) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت