…49 - قال (( ح ) )في الكلام على حديث عبادة بن الصامت «خَرَجَ يُخْبِرُ [1] بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ فَتَلَاحَى رَجُلَانِ فَرُفعَت» .
…قال القاضي عياض فيه دليلٌ على أنَّ المخاصمة مذمومةٌ بأنَّهَا سببٌ في العقوبة المعنوية، أي الحرمان، وفيه أنَّ المكان الذي يحضره الشَّيطان يُرفع منه الخير والبركة.
…فإن قيل كيف تكون المخاصمة في طلب الحقِّ مذمومة؟ قلنا إنَّما كانت لوقوعها في المسجد، وهو محلُّ الذكر لا اللَّغو، ثمَّ في الوقت المخصوص أيضًا بالذِّكر لا اللغو وهو شهر رمضان، فالذَّمُّ لِمَا عرض فيها لا لذات الخصومة، ثم إنَّها مستلزمةٌ لرَفع الصَّوت، ورفعه بحضرة الرَّسول منهيٌ عنه؛
ص 79
لقوله تعالى {لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} إلى قوله {أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} [سورة الحجرات 2.
…قلت ومِن هذا اتَّضحت [2] مناسبة هذا الحديث للترجمة ومطابقتها له، وقد خَفِيَتْ على كثيرٍ مِن المتكلِّمين على هذا الكتاب حتَّى قال بعضهم إنَّ إيراد هذا الحديث في هذه الترجمة _وهو خوف المؤمن أنْ يحبط عمله وهو لا يشعر_ سهوٌ مِن بعض مَن نَسَخ الكتاب.
…قال (( ع ) )أخذ هذا الكلام مِن الكِرْمَانيِّ، وهو عجبٌ شديدٌ يأخذ كلام النَّاس وينسبه إلى نفسه مدَّعيًا أنَّ غيره قد خَفِيَ عليه ذلك، على أنَّ هذا الَّذي ذكره الكِرْمَانيُّ في وجه المطابقة إنَّما يُقاد بالجرِّ الثَّقيل على ما لا يخفى على مَن تأمَّله، فإذا أمعن النَّاظر فيه لا يجد لذكر هذا الحديث هنا مناسبةً ولا تطابقًا للترجمة [3] ، انتهى.
…وفيه مناقشات [4]
…الأولى دعواه أخذ الكلام مِن الكِرْمَانيِّ ولا زيادة، يُوهم أخذ جميعه مِن غير تصرُّفٍ فيه بنقص [5] ، وليس كذلك، ومَن أراد بيان ذلك فليتأمَّل مَا ذكره الشَّارح هنا، وفيما ذكره الكِرْمَانيُّ يظهر له التفاوت.
…الثانية قوله مُدَّعيًا أنَّ غيره قد خَفِي عليه ليس كذلك، وإنَّما ذكر أنَّه خفي على كثيرٍ فليس فيه دعوى خفاء [6] ذلك على غيره بطريق التَّعميم، فإنَّ مفهومه أنَّ القليل منهم لم يَخْفَ عليه فيدخل فيه الكِرْمَاني.
…الثالثة دعواه نفي المناسبة والمطابقة بعد التَّأمُّل
ص 80
مكابرة، ويكفي في الرَّدِّ عليه أنَّه نافٍ [7] ، والسَّابق مُثبتٌ، والمثبت مُقدَّمٌ على النَّافي، والَّذي لا ارْتياب فيه أنَّ المناسبة والمطابقة ظاهرةٌ ولا سيما عند التأمُّل.
…وحاصله أنَّ ارتكاب المؤمن ما نُهي عنه قد يُحبط عمله وهو لا يشعر؛ لتهاونه كما في رفع الصَّوت بحضرة النَّبيِّ صلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّمَ؛ لقوله تعالى في ذلك {أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} [الحجرات 2 وقد ظهر أثر ذلك مِن رفعِ صوتِ المتخاصمَيْنِ بحضرته صلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّمَ حيثُ مُنعوا معرفةَ ليلة القدر التي كان يحصل بمعرفتها مِن الخيرات مَا شاء الله.
…الرَّابعة تَعَجَّبُه مِمَّنْ يأخذُ كلام النَّاس وينسبه لنفسه، وينسى نفسه مع ظهور الفرق بين الآخذين، فإنَّ غيره إنْ أخذَه تصرَّف فيه بنوعٍ مِن التصرُّفات المناسبة، وأمَّا هو فأخذه كلام [8] الشَّارح المذكور واضحٌ لا يحتاج إلى اسْتدلال، فما مِن بابٍ مِن أوَّل الكتاب إلى هنا، ولا حديثٍ إلَّا وقد أخذ مِن كلام الشَّارح فيه الكثير منه بألفاظه وبالمعنى، وقد أشرت إلى بعض ذلك قريبًا، ومِن أقربه قوله في الكلام على قوله.
…وقال ابن أبي [9] مُليكة [10] أدركتُ ثلاثين مِن أصحاب رسول الله عليه وسلم، فإنَّه أخذ الكلام على ترجمته وعلى بيان مَن خرَّج أثرَه هذا بألفاظه، وكذا الأثر الذي
ص 81
بعده عن [11] الحسن أخذ قوله، وأثر الحسن أخرجه الفِريَابي، فإنَّه كتب بلفظه نحو الصفحة على الولاء.
[1] في (ظ) «ليخبر» .
[2] في (د) و (س) و (ظ) «اتضح» .
[3] في (ظ) «لترجمة» .
[4] في الأصل «مناقشة» .
[5] في (س) «ينقص» .
[6] في (س) «حقًا» .
[7] في (س) و (ظ) «نافي» .
[8] في (س) و (ظ) «لكلام» .
[9] قوله (( أبي ) )زيادة من (س) .
[10] في (د) و (ظ) (( ابن مليكة ) ).
[11] في (د) و (س) و (ظ) «على» .