قال الماوردي: معناه عَدل في العهد، يفي في البر بما عاهَد الله عليه في البحر، قاله النقاش [1] ، وكذا قال السمعاني [2] والبغوي [3] والزمخشري [4] ونقله ابن الجوزي عن مقاتل. [5]
الترجيح:
والراجح والعلم عند الله تعالى أن سياق الآية يدل على الذم، وأنها ذكرت صنفين من الناس بدلالة قوله: «فمنهم» أما الصنف الأول: فهم الذين لما نجاهم إلى البر بقوا على أصل الإيمان لكنهم زال عنهم ما كانوا عليه من الإخلاص التام وصدق اللجوء إلى الله تعالى وقت الشدة والكرب، وعادوا لحال الفتور، ونقص إيمانهم وتوكلهم على ربهم. وهذا معنى قول ابن زيد وهو الذي رجحه ابن كثير، وهو القول الثاني، وهو الأقرب في مراد الآية هنا، وعليه يحمل قول الحسن: «مقتصد» أي: مؤمن متمسك بالتوحيد والطاعة.
وأما الصنف الثاني: فهم الكفار الجاحدون بالكلية وهم الذين عادوا لكفرهم وغيهم وضلالهم والعياذ بالله، وهم الذين قال الله عنهم: {وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (32) } . وهذا معنى قول مجاهد والكلبي، وهو القول الأول، وهو الأقرب في مراد آية العنكبوت: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (65) } (العنكبوت: 65) .
ولذا قال الألوسي بعد أن ذكر أقوال المفسرين في الآية: وأيًا ما كان فالظاهر أن المقابل لقسم المقتصد محذوف دل عليه قوله تعالى: {وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ (32) } وكذا قال أبو حيان. [6]
وقال السعدي: {فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ (32) } انقسموا فريقين:
فرقة مقتصدة، أي: لم تقم بشكر اللّه على وجه الكمال، بل هم مذنبون ظالمون لأنفسهم.
(1) النكت والعيون تفسير الماوردي (4/ 347) .
(2) تفسير السمعاني (4/ 230) .
(3) تفسير البغوي (3/ 496) .
(4) الكشاف (3/ 508) .
(5) زاد المسير (6/ 324) .
(6) تفسير الألوسي (21/ 106) ، تفسير البحر المحيط (7/ 188) .