فهرس الكتاب

الصفحة 155 من 972

قال السعدي: أي: ولنذيقن الفاسقين المكذبين، نموذجًا من العذاب الأدنى، وهو عذاب البرزخ، فنذيقهم طرفًا منه، قبل أن يموتوا، إما بعذاب بالقتل ونحوه، كما جرى لأهل بدر من المشركين، وإما عند الموت، كما في قوله تعالى {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ (93) } [الأنعام:93] ثم يكمل لهم العذاب الأدنى في برزخهم. وهذه الآية من الأدلة على إثبات عذاب القبر، ودلالتها ظاهرة، فإنه قال: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى (21) } أي: بعض وجزء منه، فدل على أن ثَمَّ عذابًا أدنى قبل العذاب الأكبر، وهو عذاب النار.

ولما كانت الإذاقة من العذاب الأدنى في الدنيا، قد لا يتصل بها الموت، فأخبر تعالى أنه يذيقهم ذلك لعلهم يرجعون إليه ويتوبون من ذنوبهم كما قال تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41) } . [1]

الترجيح

والذي يترجح والعلم عند الله تبارك وتعالى هو أن المراد بالعذاب الأدنى كل عذاب يوقعه الله جل وعلا على الكفار قبل عذاب جهنم، فيدخل فيه، كل ما ذكره المفسرون من أصناف العذاب كالجوع والقتل والقحط وانحباس المطر والحدود وغلاء الأسعار والأمراض وتسليط الأعداء وما يلحقهم عند الموت من شدة النزع والسكرات وتعذيب الملائكة لهم وما يلاقونه في قبورهم قبل يوم القيامة، كل ذلك داخل في معنى العذاب الأدنى. إذ أن قوله تبارك وتعالى {دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ (21) } الذي هو باتفاق عذاب جهنم، مشعر بأن كل ما هو دونه من أصناف العذاب فهو من العذاب الأدنى، نسأل الله العفو والعافية.

قال ابن القيم: وقد احتج بهذه الآية جماعة منهم: عبدالله بن عباس على عذاب القبر، وفي الاحتجاج بها شيء، لأن هذا عذاب في الدنيا يستدعي به رجوعهم عن الكفر؛ ولم يكن هذا مما يخفى على حبر الأمة وترجمان القرآن، لكن من فقهه في القرآن ودقة فهمه فيه فهم منها عذاب القبر، فإنه سبحانه أخبر أن له فيه عذابين: أدنى وأكبر، فأخبر أنه يذيقهم بعض الأدنى ليرجعوا، فدل على أنه بقي لهم من الأدنى بقية يعذبون بها بعد عذاب الدنيا، ولهذا قال:

(1) تفسير السعدي (1/ 649) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت