وعن ابن عباس في قوله: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا (32) } إلى آخر الآية قال: جعل أهل الإيمان على ثلاثة منازل، كقوله: {فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (8) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (9) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) } [الواقعة] فهم على هذا المثال. وكذا قال عكرمة ومجاهد. وقال الحسن: أما الظالم لنفسه فإنه هو المنافق، سقط هذا. وأما المقتصد والسابق بالخيرات فهما صاحبا الجنة. [1]
قال الرازي: الظالم الذي يحاسب فيدخل النار، والمقتصد الذي يحاسب فيدخل الجنة، والسابق الذي يدخل الجنة من غير حساب. [2]
قال الألوسي: قيل الكافر مطلقًا والفاسق والمؤمن التقي، وفي معناه ما جاء في رواية عن ابن عباس وقتادة وعكرمة: الظالم لنفسه: أصحاب المشأمة. والمقتصد: أصحاب الميمنة. والسابق بالخيرات: السابقون المقربون. والظاهر أن هؤلاء ومن قال نحو قولهم يجعلون ضمير «مِنْهُمْ» للعباد لا للموصول ولا شك أن منهم الكافر وغيره. [3] وكذا قال أبو حيان. [4]
الترجيح:
والراجح والعلم عند الله تعالى هو القول الأول الذي رجحه ابن جزي من أن هؤلاء الأصناف كلهم من أهل الجنة ومن أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -، وهذا هو ترجيح المحققين من المفسرين:
قال ابن جرير: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب تأويل من قال: عنى بقوله: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا (32) } الكتب التي أنزلت من قبل الفرقان.
فإن قال قائل: وكيف يجوز أن يكون ذلك معناه وأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - لا يتلون غير كتابهم، ولا يعملون إلا بما فيه من الأحكام والشرائع؟ قيل: إن معنى ذلك على غير الذي ذهبت إليه وإنما معناه: ثم أورثنا الإيمان بالكتاب الذين اصطفينا؛ فمنهم مؤمنون بكل كتاب أنزله الله من السماء قبل كتابهم وعاملون به؛ لأن كل كتاب أنزل من السماء قبل الفرقان، فإنه يأمر بالعمل
(1) تفسير الطبري (22/ 127) .
(2) التفسير الكبير (26/ 22) .
(3) روح المعاني (22/ 190) .
(4) تفسير البحر المحيط (7/ 299) .