قال ابن جرير: [1] وقوله {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا (38) } يقول تعالى ذكره: والشمس تجري لموضع قرارها، بمعنى: إلى موضع قرارها؛ وبذلك جاء الأثر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ثم روى عن أبي ذرَ الغفاريّ، قال: كنت جالسا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - في المسجد، فلما غَرَبت الشمس، قال: (يا أبا ذَرّ هَلْ تَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ الشَّمْسُ) ؟. قلت الله ورسوله أعلم. قال: (فإنها تذهب فتسجد بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهَا، ثُمَّ تَسْتَأْذِنُ بالرُّجُوعِ فَيُؤْذَنُ لَهَا، وَكَأَنَّهَا قَدْ قِيلَ لَهَا ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ، فَتَطْلُعُ مِنْ مَكَانِهَا وَذَلِكَ مُسْتَقَرّها) . [2]
وبمثل ما ذكر ابن جرير قال السمعاني [3] والبغوي [4] وابن عطية [5] وابن الجوزي [6] والقرطبي. [7]
وقال ابن كثير: أن المراد: مستقرها المكاني، وهو تحت العرش مما يلي الأرض في ذلك الجانب، وهي أينما كانت فهي تحت العرش وجميع المخلوقات؛ لأنه سقفها، وليس بكرة كما يزعمه كثير من أرباب الهيئة، وإنما هو قبة ذات قوائم تحمله الملائكة، وهو فوق العالم مما يلي رؤوس الناس، فالشمس إذا كانت في قبة الفلك وقت الظهيرة تكون أقرب ما تكون من العرش، فإذا استدارت في فلكها الرابع إلى مقابلة هذا المقام، وهو وقت نصف الليل، صارت أبعد ما تكون من العرش، فحينئذ تسجد وتستأذن في الطلوع، كما جاءت بذلك الأحاديث. [8]
وقال ابن عاشور: ويجوز أن تكون اللام بمعنى «إلى» ، أي تجري إلى مكان استقرارها وهو مكان الغروب، شبه غروبها عن الأبصار بالمستقَر والمأوَى الذي يأوي إليه المرء في آخر النهار بعد الأعمال. وقد ورد تقريب ذلك في حديث أبي ذر الهروي في صحيحي «البخاري»
(1) تفسير الطبري (23/ 4.
(2) أخرجه البخاري في بدء الخلق، باب: صفة الشمس والقمر 6/ 297)، ومسلم في الإيمان، باب: بيان الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان برقم: (251) (1/ 139) .
(3) السمعاني (( 4/ 377) .
(4) تفسير البغوي (4/ 5) .
(5) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (4/ 447) .
(6) زاد المسير (7/ 14) .
(7) تفسير القرطبي (15/ 27) .
(8) تفسير ابن كثير (3/ 567) .