فهرس الكتاب

الصفحة 458 من 972

القيامة ويريد بقوله: {وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (42) } الإبل وسائر ما يركب فتكون المماثلة في أنه مركوبٌ مُبَلِّغٌ إلى الأقطار فقط. ويعود قوله: {وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ (43) } على السفن الموجودة في الناس. وأما من خلط القولين فجعل الذرية في الفلك في قوم نوح في سفينة وجعل {مِنْ مِثْلِهِ (42) } في الإبل فإن هذا نظرٌ فاسدٌ يقطع به قوله تعالى: {وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ (43) } فتأمله. [1]

وقال ابن عاشور: ولما كانت ذريات المخاطبين مما أراد الله بقاءه في الأرض حين أمر نوحًا بصنع الفلك لإِنجاء الأنواع، وأمره بحمل أزواج من الناس، هم الذين تولد منهم البشر بعد الطوفان نُزّل البشر كلهم منزلة المحمولين في الفلك المشحون في زمن نوح، وذكر الذريات يقتضي أن أصولهم محمولون بطريق الكناية إيجازًا في الكلام، وأن أنفسهم محمولون كذلك كأنه قيل: إنا حملنا أُصولهم وحملناهم وحملنا ذرياتهم، إذ لولا نجاة الأصول ما جاءت الذريّات، وكانت الحكمة في حمل الأصول بقاء الذريات فكانت النعمة شاملة للكل، وهذا كالامتنان في قوله: {إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (11) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً (12) } [الحاقة: 11، 12] .

وضمير «ذريتهم» عائد إلى ما عاد إليه ضمير «لَهمْ» أي العباد المراد بهم المشركون من أهل مكة لكنهمْ لوحظوا هنا بعنوان كونهم من جملة البشر، فالمعنى: آية لهم أنا حملنا ذريات البشر في سفينة نوح وذلك حين أمر الله نوحًا بأن يحمل فيها أهله والذين آمنوا من قومه لبقاء ذريات البشر فكان ذلك حملًا لذرياتهم ما تسلسلت. [2]

القول الثالث: أن المراد بالذرية هنا: النساء.

ولم أقف على قول ابن عطية كما نقله ابن جزي، ولكن ذكر بعض المفسرين هذا المعنى. فذكر الماوردي: أن الذرية الأبناء والنساء لأنهم ذرء الآباء حملوا في السفن، والفلك هي السفن الكبار وقال: قاله السدي. [3] وكذا ذكر الزمخشري. [4]

(1) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (4/ 447) .

(2) التحرير والتنوير (22/ 355) .

(3) النكت والعيون تفسير الماوردي (5/ 19) .

(4) الكشاف (4/ 21) ، وانظر: لسان العرب (14/ 282) ، وتاج العروس (1/ 120) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت