فهرس الكتاب

الصفحة 516 من 972

خذلان بعضهم لبعض بعد أن كانوا في الدنيا عصبة يعتضد بعضهم ببعض، ليبين لهم حقيقة بطلان ما كانوا عليه في الدنيا، وتقريعًا لهم بعد أن شاهدوا الحقيقة. ومما يؤيد هذا سياق باقي الآيات من سؤال بعضهم لبعض وتحاور بعضهم مع بعض. ومن المهم في تفسير كتاب الله تعالى مراعاة ما قبل الآية وما بعدها وسياق الكلام كما هو معلوم.

الأمر الرابع: أن ما ورد من نفي السؤال يوم القيامة في مثل قوله تعالى: {فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (39) } [الرحمن] . وقوله: {وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78) } [القصص] لا يتعارض مع هذه الآية وقد بين ذلك الشيخ الأمين في كتابه النافع: دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب مفصلًا، والخلاصة أن قوله تعالى: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (24) } صريح في إثبات سؤال الجميع يوم القيامة.

قال الشيخ الشنقيطي:

اعلم أولًا: أن السؤال المنفي في الآيات المذكورة. أخص من السؤال المثبت فيها. لأن السؤال المنفي فيها مقيد بكونه سؤالًا عن ذنوب خاصة. فإنه قال: {وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78) } فخصه بكونه عن الذنوب، وقال: {فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (39) } [الرحمن] فخصه بذلك أيضًا. فيتضح من ذلك أن سؤال الرسل والموؤدة مثلًا ليس عن ذنب فعلوه فلا مانع من وقوعه. لأن المنفي خصوص السؤال عن ذنب، ويزيد ذلك إيضاحًا قوله تعالى: {لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ (8) } [الأحزاب] وقوله بعد سؤاله لعيسى المذكور في قوله: {أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ (116) } الآية. {قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ (119) } [المائدة] والسؤال عن الذنوب المنفي في الآيات: المراد به سؤال الاستخبار والاستعلام. لأنه جل وعلا محيط علمه بكل شيء، ولا ينافي نفي هذا النوع من السؤال ثبوت نوع آخر منه هو سؤال التوبيخ والتقريع. لأنه نوع من أنواع العذاب، ويدل لهذا أن سؤال الله للكفار في القرآن كله توبيخ وتقريع كقوله: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (24) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (25) } . وقوله: {أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (15) } [الطور] . إلى غير ذلك من الآيات. [1]

(1) انظر: أضواء البيان (1/ 545) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت