وممن ذكر هذا من المفسرين: الماوردي [2] والسمعاني [3] والقرطبي [4] وابن كثير. [5] وقد نصر الزمخشري [6] هذا القول، وأبطل القول الأول ليخلص إلى إبطال حجة أهل السنة في خلق أفعال العباد، وعلى فرض التسليم له بما اعترض به فإن هذه المسألة متقررة بغير هذا الدليل كما بينه البخاري وغيره من أهل السنة والجماعة مما ليس عنه محيد وليس هذا محل بسطه فاكتفيت بالإشارة. ولاغرابة في ذلك فقد قال ابن عطية في تفسيره: والمعتزلة مضطرة إلى الزوال عن أن تجعل «ما» مصدرية. [7]
وقد تابع ابن عاشور الزمخشري في تضعيف القول الأول حيث قال: وقد احتج الأشاعرة [8] على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى بهذه الآية على أن تكون «ما» مصدرية أو تكون موصولة، على أن المراد: ما تعملونه من الأعمال. وهو تمسك ضعيف لما في الآية من الاحتمالين، ولأن المقام يرجح المعنى الذي ذكرناه إذ هو في مقام المحاجّة بأن الأصنام أنفسها مخلوقة لله، فالأولى المصير إلى أدلة أخرى. [9]
قلت: وهذا الذي ذهب إليه الزمخشري وابن عاشور هو ما ذهب إليه ابن القيم رحمه الله وقد قرره بقوة وبين أن «ما» لو كانت مصدرية لكان الكلام إلى أن يكون حجة للقدرية أقرب من أن يكون حجة عليهم. وبين أن «ما» المصدرية والموصولة يتعاقبان غالبا ويصلح أحدهما في الموضع الذي يصلح فيه الآخر وربما احتملها كلام واحد ولا يُمَيَّز بينهما فيه إلا بنظر وتأمل ...
(1) تفسير الطبري (23/ 74) .
(2) النكت والعيون تفسير الماوردي (5/ 57) .
(3) السمعاني (( 4/ 405) .
(4) تفسير القرطبي (15/ 96) .
(5) تفسير ابن كثير (4/ 14) .
(6) الكشاف (4/ 52) .
(7) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (4/ 470) .
(8) وابن عاشور من متطرفي الأشاعرة كما قرره المغراوي في كتابه التفسير والمفسرون.
(9) تفسير التحرير والتنوير (23/ 146) .