ثم نقل كلام أبي القاسم السهيلي في تقريره أن «ما» هنا مصدرية. ثم عقب عليه بقوله: ولقد بالغ في رد ما لا تحتمل الآية سواه أو ما هو أولى بحملها وأليق بها. ونحن وكل محق مساعدوه على [أن] الله خالق العباد وأعمالهم وأن كل حركة في الكون فالله خالقها وعلى صحة هذا المذهب أكثر من ألف دليل من القرآن الكريم والسنة والمعقول والفطر ولكنه لا ينبغي أن تحمل الآية على غير معناها اللائق بها حرصا على جعلها عليهم حجة ففي سائر الأدلة غنية عن ذلك على أنها حجة عليهم من وجه آخر، مع كون «ما» بمعنى «الذي» سنبينه إن شاء الله تعالى ... إلى أن قال: والصواب أنها موصولة وأنها لا تدل على صحة مذهب القدرية بل هي حجة عليهم مع كونها موصولة. [1]
القول الثالث: أن «ما» نافية. قال ابن عطية: وقالت فرقة هي نفي بمعنى وأنتم لا تعملون شيئا في وقت خلقكم ولا قبله، ولا تقدرون على شيء. [2]
قال القرطبي: وقيل: هي نفي، والمعنى وما تعملون ذلك لكن الله خالقه. [3]
القول الرابع: إن «ما» استفهامية. قال النحاس: ويجوز ان يكون استفهاما فيه معنى التوبيخ. [4] وذكره ابن عطية في تفسيره [5] والقرطبي وقال: معناه التحقير لعملهم. [6]
الترجيح:
والراجح والعلم عند الله تعالى هو القول الثاني. فتأويل الكلام عليه: والله خلقكم والذي تعملون. فـ «ما» موصولية على القول الراجح وذلك لعدة أمور:
الأمر الأول: أن الله تعالى قال: {قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (95) } ثم قال بعد ذلك: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (96) } فحَمْل «ما» الثانية على أنها موصولية هو المناسب في مقام
(1) بدائع الفوائد (1/ 150 - 159) ، وفيه تفصيل طويل نافع في التفريق بين (ما) الموصولة والمصدرية في القرآن.
(2) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (4/ 479) .
(3) تفسير القرطبي (15/ 96) .
(4) معاني القرآن (6/ 46) .
(5) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (4/ 479) .
(6) تفسير القرطبي (15/ 96) .