وقال ابن الجوزي: {إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (48) } أي: لو كنت قارئًا كاتبًا لشك اليهود فيك ولقالوا: ليست هذه صفته في كتابنا، والمبطلون الذين يأتون بالباطل وهم كفار اليهود قاله مقاتل. [1] قال القرطبي: أي من أهل الكتاب، وكان لهم في ارتيابهم متعلق وقالوا الذي نجده في كتبنا أنه أمي لا يكتب ولا يقرأ وليس به. [2]
الترجيح:
والراجح والعلم عند الله تعالى أن الآية محتملة للقولين إذ لا تعارض بينهما البتة، فالريب حاصل من الكفار ومن أهل الكتاب، فأما الكفار فقد اتهموه {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5) } (الفرقان: 5) فلما لم يكن كاتبًا ولا قارئًا تبين كذبهم، وأما أهل الكتاب فإنهم يجدون في كتبهم أنه أمي فلو كان على غير هذه الصفة لوقع الريب في قلوبهم. لكنني أجد أن القول الثاني هو المقدم وذلك لعدة أمور:
الأمر الأول: أن سياق الآيات كما تقدم في الكلام على أهل الكتاب.
الأمر الثاني: أن الارتياب في حق أهل الكتاب مقطوع به في حال كون النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ ويكتب؛ لأنهم يعلمون صفته في كتبهم. وأما الكفار فارتيابهم مجرد احتمال وظن منهم وتخريص. إذ من المحتمل أن يكون كتب أو قرأ في كتب الأولين ونقل عنهم. قال الفيومي: قَالَ أَبو زيد: رابَنِي مِنْ فلانٍ أَمرٌ يَرِيبُنِي رَيْبًا إذا اسْتَيْقَنْتَ منه الرِّيبَةَ فإِذا أَسَأْتَ به الظَّنَّ ولَمْ تَسْتَيْقِنْ مِنْهُ الرِّيبَةَ قلت: أَرَابَنِي مِنْهُ أَمْرٌ هُوَ فِيهِ إرَابَةً. [3]
الأمر الثالث: أن أمية النبي - صلى الله عليه وسلم - حجة على أهل الكتاب، لأنها علامة وبينة عندهم في كتبهم يعرفونه بها، فلا يشكون في أمره ويقارنون حاله بما وجدوا من صفات أخرى في كتبهم، وهذا هو المناسب في محاججة أهل الكتاب به بالتي هي أحسن كما تقدم بيانه في المسألة السابقة، فكأن الآية -والله أعلم- بينت معطيات المحاجة لأهل الكتاب بطريقة لطيفة، وهي: كون المؤمنين يؤمنون بالتوراة والإنجيل، وأنهما من عند الله، يمهد لقبول المجادلة، ثم كون
(1) زاد المسير (6/ 271) .
(2) تفسير القرطبي (16/ 57) .
(3) المصباح المنير في غريب الشرح الكبير: (4/ 26) .