من الحديث أنه لم يمت - صلى الله عليه وسلم - حتى تعلم الكتابة، فضعيف لا أصل له؛ قال الله تعالى: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو} أي: تقرأ {مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ} لتأكيد النفي، {وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ} تأكيد أيضا، وخرج مخرج الغالب، كقوله تعالى: {وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} [الأنعام: 38] . [1]
المناقشة والترجيح:
والراجح والله أعلم هو القول الثاني وهو ما رجحه ابن جزي لقوة أدلته وصراحتها وعدم نهوض أدلة الفريق الثاني لا من حيث الثبوت ولا من حيث صراحة الدلالة. ويجاب عما استدلوا به من أدلة بما يلي:
فأما أحاديث صلح الحديبية فالدلالة فيها صريحة بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعرف مكانها بل سأل عليًا فقال له: (أرني مكانها) وهذا نص صريح لا يتطرق إليه الاحتمال بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يقرأ حينها، ولو كان يقرأ لما سأله عن مكانها ولتبين له بقراءته، وهذا ينفي كونه قرأ وكتب حتى ولو كان ذلك على وجه الإعجاز، لأن ورود الإعجاز في الكتابة ليس بأولى من وروده في معرفة محلها إذا الثاني مبني على الأول، وهو واضح ولله الحمد.
وأما استدلالهم بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - محاها وكتب: ابن عبدالله. فهذا يجاب عنه بعدة أجوبة:
الجواب الأول: أن هذا محتمل لأن يكون الذي كتب هو الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ومحتمل لأن يكون الذي محاها هو النبي - صلى الله عليه وسلم - والذي كتب علي - رضي الله عنه -؛ وعلي امتنع عن المحو ولم يمتنع عن الكتابة فمحاها النبي - صلى الله عليه وسلم - وكتب علي - رضي الله عنه -. والقاعدة تقول: حكاية الحال إذا تطرق إليها الاحتمال كساها ثوب الإجمال، وسقط بها الاستدلال. [2]
الجواب الثاني: قال ابن حجر في التلخيص: وقد ورد في كثير من الأحاديث في الصحيح وغيره إطلاق لفظ: كتب بمعنى: أمر. منها: حديث ابن عباس: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى قيصر) . [3] وحديثه: (كتب إلى النجاشي) [4] وحديثه: (كتب إلى كسرى) وحديث عبدالله بن
(1) تفسير ابن كثير (1/ 113) .
(2) شرح الكوكب المنير (2/ 104) .
(3) عبدالله بن عباس رضي الله عنهما أخبره أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (كتب إلى قيصر وقال فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين) صحيح البخاري (3/ 1073) .
(4) عن أنس أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى كسرى وإلى قيصر وإلى النجاشي وإلى كل جبار يدعوهم إلى الله تعالى وليس بالنجاشي الذي صلى عليه النبي - صلى الله عليه وسلم -. صحيح مسلم (3/ 1397) .