الشق الذي ولدته المرأة كان حيًّا، ولا أنه جلس على كرسي سليمان. وتركيب هذه الآية على ذلك الخبر تكلّف. [1]
الترجيح:
والراجح والعلم عند الله تعالى أن ما ذكره ابن جزي عليه رحمة الله تعالى هو الصواب، فكل ما ذكره المفسرون في الأقوال الثلاثة الأولى من الباطل الذي لايصح فيه خبر مسند، وهو مأخوذ من كتب بني إسرائيل، وليس فيها شيء يعتمد عليه سوى أقوال الرجال، وأقوال الرجال مما يستدل لها ولا يستدل بها، والموقف الصحيح تجاه أعلى ما فيها هو التوقف، وعدم التصديق والتكذيب، وهذا مما لا يغني من الحق شيئًا، والصحيح هو اتباع ما صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث أبي هريرة، وحمل الآية عليه، وإن لم يكن ثمة تصريح بأنه تفسير للآية. ولوجود ما يدل على مثل ذلك في حق النبي - صلى الله عليه وسلم -، كما بينه الشيخ الأمين في أضواء البيان، وذلك عندما طلب اليهود من قريش أن يسألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الروح، وعن رجل طواف في الأرض - يعنون ذا القرنين - وعن فتية لهم قصة عجيبة في الزمان الماضي- يعنون اصحاب الكهف- فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «سأخبركم غدًا عما سألتم عنه» ولم يقل: إن شاء الله. فلبث عنه الوحي مدة، قيل خمس عشرة ليلة، وقيل غير ذلك. فأحزنه تأخر الوحي عنه، ثم أنزل عليه الجواب.
فإذا عرفت أن الله عاتب نبيه فيها على عدم قوله إن شاء الله، لما قال سأخبركم غدًا - فاعلم أنه دلت آية أخرى بضميمة بيان السنة لها على أن الله عاتب نبيه سليمان على عدم قوله إن شاء الله، كما عاتب نبيه في هذه الآية على ذلك. بل فتنة سليمان لذلك كانت أشد. فقد أخرج الشيخان في صحيحهما من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - الله عنه أن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «قال سليمان بن داود عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة وفي رواية تسعين امرأة، وفي رواية مائة امرأة - تلد كل امرأة منهن غلامًا يقاتل في سبيل الله» فقيل له- وفي رواية قال له الملك: «إن شاء الله» فلم يقل. فطاف بهن، فلم تلد منهن إلا امرأة واحدة نصف إنسان. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده، لو قال: إن شاء الله، لم يحنث، وكان دركًا لحاجته» . وفي رواية: «ولقاتلوا في سبيل الله فرسانًا أجمعون» .
(1) تفسير التحرير والتنوير (23/ 256) .