الترجيح:
من المقرر عند الجميع أن الله تعالى خلق آدم بيده ثم بعد ذلك خلق زوجه من ضلعه، ثم بث منهما ذريتهما بالتزاوج بعد ذلك. ومن هنا جاء استشكال ظاهر قوله تعالى: {خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ (6) } أي خلق الناس من آدم، ثم قال: {ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا (6) } فكأنه يشعر بأن الله خلق آدم ثم خلق ذريته ثم خلق حواء، ومن هنا فقد أجاب المفسرون وأهل اللغة عن ظاهر الآية بأجوبة، كما تقدم بيانه:
والذي رجحه ابن جرير الطبري عليه رحمة الله تعالى أن الله تعالى خلق آدم ثم مسح على ظهره فأخرج ذريته كالذر، ثم خلق حواء بعد ذلك، وبهذا تجري الآية على سياقها الطبيعي من غير تقدير ويجمع بين النصوص بلا تعارض حيث قال: والقول الذي يقوله أهل العلم أولى بالصواب، وهو القول الأول الذي ذكرت أنه يقال: إن الله أخرج ذرية آدم من صلبه قبل أن يخلق حوّاء، وبذلك جاءت الرواية عن جماعة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والقولان الآخران على مذاهب أهل العربية. [1] وهو الذي صححه ابن عطية رحمه الله.
قلت: وسواء كان التأويل هذا أو ذاك، فمعنى الآية مجمع عليه ولله الحمد.
وقد ذكر ابن هشام في مغني اللبيب عددًا من الأجوبة كلها يصلح في تأويل الآية، فقال في معرض حديثه عن معاني «ثم» :
وأما الترتيب فخالف قومٌ في اقتضائها إياه، تمسّكًا بقوله تعالى: {خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا (6) } ... ثم ذكر خمسة أوجه للجواب عن الآية فقال:
أحدها: أن العطف على محذوف، أي من نفسٍ واحدة، أنشأها ثم جعل منها زوجها.
الثاني: أن العطف على {وَاحِدَةٍ (6) } على تأويلها بالفعل، أي من نفس توحّدتْ، أي انفردت، ثم جعل منها زوجها.
الثالث: أن الذّرِّية أخرجت من ظهر آدم كالذَّرِّ، ثم خلقت حوّاء من قُصيْراه.
الرابع: أن خلقَ حواء من آدم لما لم تجر العادة بمثله جيء بـ «ثم» إيذانًا بترتبه وتراخيه في الإعجاب وظهور القدرة، لا لترتيب الزمان وتراخيه.
(1) تفسير الطبري (23/ 193) .