قال ابن جرير: فأما ما عداه فإن صاحبه في مشيئة ربه، إن شاء تفضل عليه، فعفا له عنه، وإن شاء عدل عليه فجازاه به. [1] وبنحو هذا ذكر ابن عطية. [2]
وقال ابن كثير: ولا يصح حمل هذه الآية على غير توبة؛ لأن الشرك لا يغفر لمن لم يتب منه. [3]
الترجيح:
والراجح والعلم عند الله تعالى في سبب النزول هو ما جاء في القول الأول عن ابن عباس وعمر رضي الله عن الجميع، وهو ما ثبت في صحيح البخاري من أنها نزلت في قوم من أهل الشرك قتلوا وزنوا وأسرفوا، أو قوم فتنوا فافتتنوا، فدعاهم الله إلى الإسلام والدخول فيه، وترك الشرك.
وأما حكم الآية فالصواب الذي لا يُعدل عنه إلى غيره: أنها عامة في كل من عصى الله بأي ذنبٍ كان، إذا تاب وأناب إلى الله، حتى وإن وقع في الشرك، فإنه يدخل ضمن هذه الآية، بشرط التوبة والإنابة. وذلك لعدة أمور:
الأمر الأول: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، نعم سبب النزول في قوم من المشركين، ولكن الحكم يدخل فيه كل من أسرف على نفسه بذنب كبير أو صغير.
الأمر الثاني: أن خطاب الباري سبحانه وتعالى نادى فيه عباده، وهذا يدخل فيه عباده الكفار والمؤمنون بلا تفريق، ومن قال بخلاف هذا فعليه بالدليل. وأما دليلنا على أن المراد بالعباد هنا عموم عبيده كافرهم ومؤمنهم: أنه وصفهم بعد ذلك بالإسراف على أنفسهم في اقتراف الذنوب والكبائر، ومعلوم أن الإسراف هو تجاوز الحد في ظلم النفس.
الأمر الثالث: أنه إذا دخل أصحاب الذنوب الكبيرة كما تقرر في سبب النزول، فَمِن باب أولى دخول أصحاب الذنوب الصغيرة، لأنه إذا دخل الكفار في قوله {يَاعِبَادِيَ (53) } فمن باب أولى دخول عصاة المسلمين في هذا اللفظ.
(1) تفسير الطبري (24/ 14) .
(2) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (4/ 536) .
(3) تفسير ابن كثير (4/ 55) .