دخلت «فِي» على «الحياة» دون قرينه، لأن الظرف المجرور بفي لا يستوعب كالمنصوب على الظرفية، كما ذكره الأصوليون انتهى، وفيه بحث. [1]
الترجيح:
والراجح والعلم عند الله تعالى هو القول الثاني، فإن الله تعالى وعد الرسل وأتباع الرسل بالنصرة في الحياة الدنيا وفي الآخرة، فأما الآخرة فلا شك ولا ريب في ذلك، وأما في الدنيا فقد أكد ذلك بنون التوكيد المشددة، ثم أردفها بلام التوكيد، والمتضمنة لمعنى القسم أي: والله لننصرن رسلنا والذين آمنوا. وقدم الحياة الدنيا على يوم الأشهاد لتقدمها في الزمان، وقد يكون إيناسًا للرسل وأتباعهم، وإسراعًا في تبشيرهم بحصول النصر لهم في الدنيا، والانتقام لهم من أعدائهم، لأنهم في الدنيا في مقام أملٍ وانتظارٍ للنصر، وحتى لا يتطرق إليهم اليأس من نصر الله تعالى، كما قال الله تعالى: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110) } (يوسف:110) .
وأما حقيقة النصر فليست محصورة في الغلبة الظاهرة، بل قد ينتصر العبد حقيقةً وإن كان في الظاهر أنه مغلوب، وعلى هذه الحقيقة أدلة وشواهد، فمن ذلك:
ما ثبت في صحيح مسلم من قصة الغلام مع الملك والساحر والراهب، فقد دلَّ الغلامُ الملكَ على طريقة قتله، بعد جمع الناس على صعيد واحد، بأن يأخذ سهمًا من كنانته ويقول: باسم الله رب الغلام، ثم يرميه. فلما فعل الملك ذلك وسمع الناس مقالته قالوا كلهم: آمنا بالله رب الغلام. وبهذا قد انتصر مبدأ الغلام ودينه، وإن كان ذلك مفضيًا لموته. [2]
ومن ذلك ما جرى بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين المشركين في عقد صلح الحديبية، فإنه في ظاهره عقد جائر، لكن ما ترتب عليه مما لم يعلمه المسلمون في حينه من الفتح لا يعلمه إلا الله، حتى إن عمر - رضي الله عنه - قال محاجًا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر: علام نعط الدنية في ديننا يارسول الله؟!. [3]
(1) روح المعاني (24/ 76) .
(2) الحديث في صحيح مسلم (4/ 2297) .
(3) الحديث في صحيح البخاري (2/ 974) ، وصحيح مسلم (3/ 1405) .