فجاء به إلى عمر فقال: ما حملك على أخذ هذه النسمة؟ قال: وجدتها ضائعةً فأخذتها، قال: عريفه: يا أمير المؤمنين إنه رجلٌ صالحٌ، فقال عمر: اذهب فهو حرٌّ ولك ولاؤه وعلينا نفقته)، وزاد عبد الرزاق عن مالك: وعلينا نفقته من بيت المال، وأخرجه مالك والبيهقي.
التقاط المنبوذ أي أخذه فرض كفاية لقوله تعالى: (ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا) المائدة32. صيانة للنفس المحترمة عن الهلاك ويجب الإشهاد عليه في الأصح أي الإشهاد على التقاطه لئلا يسترق ويضيع نسبه وإنما تثبت ولاية الالتقاط أي الحضانة له وحفظه لمكلّفٍ حرٍّ ذكر أو أنثى ولو كان فقيرًا. مسلمٍ إذا حكمنا بإسلام اللقيط عَدْلٍ لأنها ولاية فاعتبر فيها أوصاف الولاية كالقضاء رشيدٍ كما هو سائر الولايات ولو التقط عَبْدٌ بغير إذن سيده انتُزِعَ منه أي ينتزع اللقيط من العبد لأن الحضانة تبرُّعٌ والعبد ليس من أهلها فإن علمه فأقرّه عنده أو التقط بإذنه فالسيد الملتقط والعبد نائبه في الأخذ والتربية ولو التقط صبيٌّ أو فاسقٌ أو محجورٌ عليه بسفهٍ أو كافرٌ مسلمًا انتزع منه لأن الصبي والفاسق وأيضًا المجنون والمبذر غير مأتمنين شرعًا كما أنه ليس للكافر ولاية على المسلم ولو ازدحم اثنان كل منهما أهل للالتقاط على أخذه بأن يقول كلُّ واحدٍٍ منهما: أنا آخذه جعله الحاكم عند من يراه منهما أو من غيرهما لأنه لا حقّ لأحدٍ منهما فيه قبل أخذه فيفعل الحاكم الأنفع له وإذا سبق واحدٌ فالتقطه مُنِعَ الآخر من مزاحمته لخبر أبي داود (من سبق إلى ما لم يَسْبِق إليه أحدٌ فهو أحقُّ به) . وإن التقطاه معًا وهما أهل لحفظه وحفظ ماله فالأصح أنه يُقدّم غنيٌّ على فقير لأنه الأحظ للقيط ولأن الغني قد يواسيه بماله وعدْلٌ على مستورٍ حفظًا للقيط فإن استويا في الصفات المعتبر ولم يأذن أحدهما للآخر في أخذه أُقْرعَ بينهما وليس لمن خرج حقه في القرعة ترك حقه بخلاف قبل القرعة كما اقترعتْ الأحبارُ على كفالة مريم قال تعالى: (وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم) آل عمران44. وإن وَجَدَ بلديٌ لقيطًا ببلدٍ فليس له نقله إلى بادية لخشونة عيشها وفوات العلم والدين والصنعة على اللقيط والأصح أن له نقله إلى بلدٍ آخر لعدم وجود المحذور السابق والأصحُّ أن للغريب إذا التقط ببلدٍ أن ينقله إلى بلده وقيل: لا ينقل مخافة ضياع نسبه لأن اللقيط إنما