فصل الخصومات لأن التظالم يقع بين الناس عادة فدعت الحاجة إلى تولية القضاءِ والقضاءُ أمرٌ بالمعروف ونهيٌ عن منكر فهما على الكفاية فكان القضاء كذلك. وقد أخرج بن أبي شيبة في المصنف عن علي بن أبي طالب (أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه قاضيًا على اليمن فقال: يا رسول الله بعثتني أقضِ بينهم وأنا شاب ولا أدري ما القضاء، قال: فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدري، وقال: اللهم اهدهِ وثبت لسانه، فوالذي فلق الحبة ما شككت في قضاء بين اثنين) .
فإن للقضاء تعين واحد في ناحية معينة ولم يصلح للقضاء غيره لزمه طلبه لأن ذلك يجري مجرى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولو لم يكن من يصلح للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا واحد لتعين عليه، قال تعالى إخبارًا عن يوسف (اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم) يوسف/55. وأخرج البيهقي عن ابن عباس (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(إذا جلس القاضي بعث الله إليه ملكين يسددانه فإن عدل أقاما وإن جار عرجا وتركاه) .
وإلا أي وإن لم يتعين له واحد في الناحية بأن كان معه غيره ممن يصلح للقضاء فإن كان غيره أصلح وكان أي الأصلح يتولاه أي يقبل إذا وليه فللمفضول القبول إذا دفع إليه من غير طلب وقيل لا أي لا يجوز له قبوله. لما روى الترمذي عن أنس (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(من ابتغى القضاء وسأل فيه الشفعاء وكِّلَ إلى نفسه ومن أُُكْرِه عليه أنزل الله ملكًا يسدده) ، قال الترمذي حديث حسن غريب. ويكره طلبه وفي الناس من هو أولى منه فقد روى الشيخان عن عبدالرحمن بن سَمُرَة (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(يا عبدالرحمن لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها وإن أعطيتها من غير مسألة أُعنت عليها) .
وإن كان غيره مثله فله القبول ندبًا فقد روى الشيخان عن ابن مسعود (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(لا حسد إلا في اثنين: رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته بالحق ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها) .