فهرس الكتاب

الصفحة 1151 من 7030

قال رحمه الله: [ثم الأسن] الأسنَّ: مأخوذ من السِّن، والمراد بذلك: الأكبر سنًا، فلو كان عندنا رجلان كلاهما حافظٌ للقرآن، وكلاهما فقيه أو عالم بالحلال والحرام من السنة، فحينئذٍ استوت مرتبتهما في الكتاب والسنة، فنرجع إلى التفضيل بالسن، والسبب في ذلك أن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم منعقد على تفضيل الكبير وإكرامه وإجلاله، كما قال صلى الله عليه وسلم: (ليس منا -أي: ليس على هدينا الكامل- من لم يوقر كبيرنا) ، فتوقير الكبار وإجلالهم ومعرفة قدرهم شأن الفضلاء، فلا يُجلهم إلا الكرام ولا يحتقرهم إلا اللئام، فالكبير له حق على الصغير، ومن هنا قدَّمت الشريعة الإسلامية الكبير في السن حتى في الإمامة، فلو كان أحدهم أسن فإنه يقدم.

قال العلماء: الدليل على التقديم بالسِّن حديث مالك بن الحويرث، وذلك أن مالكًا هاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعه رجلٌ من قومه، فجلسا قرابة عشرين يومًا فقال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حليمًا رحيمًا رفيقًا بأصحابه، فرأى أنا قد اشتقنا إلى أهلنا، فقال: (ارجعوا إلى أهليكم فعلموهم، وإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكما وليؤمكما أكبركما) ، ووجه الدلالة أن مالكًا رضي الله عنه والذي معه اجتمعا في الحفظ والفهم، فعلما وسمعا القرآن، وسمعا السنة، فاستوت مرتبتهما في العلم، فقال: (وليؤمكما أكبركما) .

قال العلماء: في هذا دليل على التقديم للإمامة بالسن، فلو اجتمعت مراتب المتقدمين علمًا بالقرآن والسنة فإننا نقدم بالسن.

وهذا يدل على ما ينبغي من تقديم الكبار وإجلالهم، وقال العلماء: تقديم الكبار له فضيلة، فإن الكبير -خاصةً إذا كان كبير السن ضابطًا لصلاته- يكون أخشع في الصلاة وفي القراءة؛ لأنه قريبٌ من الآخرة، فيتأثر أكثر من تأثر الشاب الحدث.

ثانيًا: أن كبير السن أكثر هيبةً وأكثر إجلالًا، فتهاب الناس المحراب، وتهاب المنبر، وتُحس بهيبته ورهبته إذا تقدم كبار السن والأجلاء والعُقلاء.

الأمر الثالث: أنهم أناس لهم بصيرة ولهم علم ومعرفة بالحوادث وبما يكون، فإذا وقع أمرٌ ما على الناس واحتاجوا إلى من عنده تجربة ومعرفة وجدوا عند الإمام ما يعينهم على صلاح دينهم ودنياهم، فهذه كلها أمور تدل على حكمة الشريعة في تقديم الأكبر سنًا، ولكن إذا استوت مرتبة العلم بكتاب الله والعلم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال رحمه الله تعالى: [ثم الأشرف] .

الأشرف: مأخوذ من الشّرف، والشرف يرجع إلى النسب؛ فإن الإنسان إذا شرُف نسبه فكان من أهل البيوت الشريفة، وفضّله الله عز وجل بنسبه فإنه يُقدَّم، وهذا مذهب بعض العلماء، والصحيح أن النسب لا دخل له في التقديم بالإمامة، ولكن على سبيل الاستحباب، فلو وُجِد من ينتسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وله شرف النسب فإنه يقدم، كما في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الأئمة من قريش) ، ففضَّل بالنسب، وقالوا: لأنه لما يكون نسيبًا فإن الناس تهابه وتجله وتكرمه، وكل ذلك المراد منه أن تتهيأ الأمور التي تعين على إجلال الإمامة وتشريفها وتشريف من يقوم بها.

فالصحيح أن الشّرف لا يُقدَّم به، أي: أنه لا يُلزم بالتقديم به كما تقدم في القراءة وفي السنة وفي السِّن، فلو اجتمع عندنا من هو أتقى لله عز وجل، ومن هو أشرف فإننا نقدِّم الأتقى لله عز وجل، قال علي رضي الله عنه لما نزل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات:13] قال: ذهب النسب اليوم.

ولكن قوله هذا معناه -كما قال العلماء-: ذهبت المفاخرة بالنسب، لكن لو وجد إنسان عنده دين وصلاح وأعطاه الله شرف النسب فإنه يُقدّم؛ لأن الله جمع له بين الحسنيين، وشرّفه بهاتين الفضيلتين، فهو مقدمٌ على من دونه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت