قال رحمه الله: [وما عداه يجوز تصرف المشتري فيه قبل قبضه] : (وما عداه) أي: ما عدا المكيل ونحوه، (يجوز تصرف المشتري فيه قبل قبضه) .
أولًا: إذا كان المبيع مكيلًا، أو موزونًا، أو مذروعًا، أو معدودا، ً فلا يجوز التصرف فيه، وتحريم الأول بالنص، والباقي بالقياس والإلحاق؛ لأن الشرع ينبه بالشيء على مثله، على تفصيل عند العلماء، وقد تكلمت على هذه المسألة وبينتها، وفصلت فيها كلام العلماء في شرح البلوغ.
لكن نقول: على ما درج عليه المصنف رحمه الله: الكيل والوزن والعدد والذرع، إذا باع المكيل، فلا يجوز للمشتري أن يتصرف فيه قبل قبضه، فلا يبيعه ولا يحيل عليه، حتى يقبضه، وذلك بأن يكتاله أو يستوفيه، إذا كان كيلًا فالكيل، وإذا كان وزنًا فبالوزن، وإن كان عددًا فبالعدد، وإن كان ذرعًا فبالذرع، وإن كان على طريقة الموزون ينتقل إلى الكيل.
فالأصح أنه فإذا كان يجمع بين الوزن والكيل، فإنه ينظر إلى أصله، أو غالب عرف البلد، على تفصيل عند العلماء رحمهم الله فيه.
بناءً على هذا: لو كان المبيع مكيلًا، وأردت أن تتصرف فيه فلا تتصرف إلا بعد القبض والحيازة، ولو باعه قبل أن يكتاله، فالبيع باطل، ولو وهبه فلا تصح هبته، ولو أحال عليه لم لا تصح حوالته، لأن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى عن بيع الطعام قبل قبضه) ، فدل على أنه لا يصح أن يبيعه حتى يقبضه ويستوفيه، فأخلى يد المشتري عن التصرف في المبيع إلا بعد القبض، فدل على أنه فرق معتبر لصحة التصرف وأنه لا بد من القبض.
ثم يرد
السؤالإذا كان من الأشياء الأخرى التي تباع جزافا، ً ولا يجري فيها كيل ولا عد، ولا ذرع ولا وزن؟ فهذه في قول جماهير العلماء رحمهم الله -خلافًا لـ ابن عباس رضي الله عنهما- أنه يجوز بيعها قبل قبضها؛ لكن الاستيفاء يختلف عن المعدودات والمذروعات والمكيلات والموزونات، على حسب عرف القبض فيها.
فمثلًا: عندنا الغنم والإبل والبقر، هذه معدودات، فلا يجوز لك إذا اشتريت شاة أن تبيعها إلا إذا قبضتها، ولكن: كيف يكون قبض هذا النوع وهو المعدود؟ لأنه قد يسألك تجار الغنم، ويقولون: نحن نشتري مائة رأس من الغنم من التاجر الفلاني، ونتركها عنده ثم نبيعها إلى تجار آخرين أو إلى أفراد مقطعة ونحيل عليه، هل يجوز هذا؟ تقول: لا يجوز حتى تقبضوها، فكيف القبض؟ الجاري في العرف أنه يخرجها من زريبة هذا إلى زريبته، وقد نص العلماء رحمهم الله، في بيع الغنم وبهيمة الأنعام، أن الزريبة معتبرة، وهكذا لو كانوا في البادية، والبادية معروف عندهم (المراح) ، ومراح الإبل المكان الذي تمرح فيه الإبل، فيخرجها عن مراحها؛ لأنه بمجرد ما أخرجها من المراح يكون قد قبض، فيجوز له وهو يسوقها بعد أن أخرجها من مراحها أن يتصرف فيها، لكن ما دامت في الزريبة، فلا يجوز له أن يبيعها، وكذلك ما دامت في مراحها لا يجوز أن يبيعها.
إذًا: في المعدودات من بهيمة الأنعام لا بد من القبض بهذه الصفة.
كذلك أيضًا في أعرافنا اليوم، مثلًا: بيع الأشياء المغلفة، كالثلاجات والغسالات، فإذا جاء يبيعها فينبغي على المشتري أن يقبضها.
أما كيف دخلت الثلاجة والغسالة في مسألتنا فقد جاءت من باب العدد، على أن المعدود حكمه حكم المكيل، ويدخل في النهي، على القياس الصحيح والنظر الصحيح، من باب إلحاق الشيء بمثله، ففي هذه الحالة لو اشترى ثلاجة لم يبعها حتى يقبضها، والقبض يكون بالحيازة، وعلى هذا لو غلفها له، وأخرجها من مستودع البائع، فقد قبض، لكن لو تلفت وهي في المستودع، أو تلفت قبل إخراجها من المستودع، أو أن العمال أرادوا حملها، فتلفت بأيديهم، أو سقطت فحصل لها ضرر، أو سقط منها شيء وتلفت، فما الحكم؟ الحكم أنها تكون في ضمان البائع.
وكذلك أيضًا في بعض الأجهزة الموجودة، مثل: بعض الأشياء التي تباع في المختبرات وهي حساسة جدًا، فلو أنها حركت أقل حركة ربما تسقط، وربما يحصل ضرر، فإذا جاء وأراد أن يقبضها وحصل هذا الشيء الذي أضر بها قبل إخراجها من المستودعات فالحكم أنها في ضمان البائع، إلا بعد خروجها من أماكنها على الصورة التي ذكرناها.
فمثلًا: السيارة جرى العرف في المعارض أنه إذا دخل إلى السيارة وحركها وأدار السيارة، ثم مشى بها قليلًا على قول بعض العلماء من مشايخنا رحمة الله عليهم، أنه قد قبض، ويجوز له أن يبيع ولو لم يخرج من المعرض، ويقول بعضهم: بل لا بد أن يخرج من المعرض، ثم له بيعها سواء رجع إلى نفس المعرض أو باعها في معرض آخر، وذلك حتى تتحقق الحيازة الكاملة.
ولكن أقوى أنه إذا ركب فيها وأدارها، ثم مشى ولو خطوة صح له البيع؛ لأنه في هذه الحالة قد قبض قبضًا كاملًا، ومسألة المعرض وعدمه غير مؤثر؛ لأن المعرض تكون فيه سيارات الأجانب، أي: ليس البائع الذي باعه السيارة هو الذي يملك المعرض.
فإذًا: مسألة المحل بالمعرض لا يحتكم إليها خاصة في المزاد، فيقوى أنه إذا أدارها ومشى وقفل بابها قد قبض.
قال رحمه الله: [وإن تلف ما عدا المبيع بكيل ونحوه، فمن ضمانه ما لم يمنعه بائع من قبضه] : أي: إن تلف ما عدا المكيل ونحوه، فمن ضمان المشتري؛ لأنه لا يشترط فيه قبض.
بناءً على هذا لو سألك سائل: إلى كم تنقسم المبيعات من حيث الضمان بالقبض؟ فعليك أن تقول: تنقسم إلى قسمين: - إما أن تكون مكيلة وما في حكمها، فهذه لا ينتقل ضمانها من البائع إلى المشتري إلا بعد القبض بضابطه، على حسب أنواع المبيعات.
-وإما أن تكون من غير المكيل، وما في حكمه، مما لا يشترط فيه القبض، فهذا النوع ينتقل فيه الضمان إلى المشتري بمجرد العقد الصحيح، وعلى هذا لا يشترط في مثلها القبض.
قال رحمه الله: [ويحصل قبض ما بيع بكيل أو وزن أو عد أو ذرع بذلك] أي: بالكيل كيلًا وبالوزن وزنًا وبالعد عدًا، وبالذرع ذرعًا فمثلًا: الآن في المحل: باعك طاقة القماش، فأخذتها وذرعتها، أو ذرعها أمامك، ثم قلت: طبقها لي وضعها في الكيس، فوضعها في الكيس،، ثم أعطاك إياها، فحينئذٍ قد قبضتها، وعندما ذرعها أمامك فقد برئت ذمته، وإذا ذرعها أمامك جاز لك أن تبيعها، ويبقى القبض والاستيفاء الذي هو الصوري.
قال رحمه الله: [وفي صبرة، وما ينقل بنقله، وما يتناول بتناوله، وغيره بتخليته] : أي: يحصل القبض في صبرة بالتخلية، بأن يخلي بينها وبينك، وما كان بالنقل ينقل، مثل الدواب -كما ذكرنا- تنقل من زريبة إلى زريبة، وهكذا إذا تعامل التجار في بيع الثلاجات والغسالات أنها تنقل لا بد من نقلها حتى يتم القبض كاملًا، هذه صورة الاستيفاء.