فهرس الكتاب

الصفحة 3052 من 7030

الشرط السادس: قبض الثمن تامًا قبل التفرق

قال المصنف رحمه الله تعالى: [السادس: أن يقبض الثمن تامًا معلوما قدره ووصفه قبل التفرق] .

فلا زال المصنف رحمه الله يبين الشروط المعتبرة لصحة السلم، ومن هذه الشروط الشرط السادس: وهو قبض الثمن، فيشترط في صحة السلم، إذا اشترى التاجر الصفقة، وتم العقد بينه وبين من يبيعه تلك الصفقة ووقعت سلمًا فإنه يشترط أن يعجل له الثمن، أما الدليل على ذلك فهو ما ثبت في قوله عليه الصلاة والسلام في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: (من أسلف فليسلف في كيلٍ معلوم) ، فقوله عليه الصلاة والسلام: (فليسلف) بمعنى فليعطِ.

وعلى هذا استنبط العلماء رحمهم الله من هذا الحديث أنه يشترط في صحة السلم أن يقدم الثمن، وأن يعطيه في مجلس العقد، وهناك صورتان للإعطاء: الصورة الأولى: أن يكون الإعطاء عقب الإيجاب والقبول مباشرةً، والصورة الثانية: أن يتأخر الإعطاء عن العقد، أعني: عن الإيجاب والقبول، مثال الصورة الأولى: قال له: أسلفتك مائة ألفٍ لقاء سيارتين إلى نهاية رمضان من نوع كذا وصنف كذا، قال: قبلت، فأعطاه بمجرد القبول المائة ألف، فوقع الإسلام والإعطاء عقب العقد مباشرةً، أو يقول له أيضًا في هذه الصورة: هذه عشرة آلاف أسلمتكها لقاء مائة صندوق مثلًا من التمر البرحي أو من تمر العجوة أو من التمر السكري إلى نهاية رمضان، قال: قبلت وقبض، فحينئذٍ لا إشكال إذا وقع القبض والإسلام والإعطاء موافقًا للعقد ومصاحبًا له.

الصورة الثانية: أن يتراخى عن الإيجاب والقبول ويتحقق القبض قبل افتراقهما عن مجلس السلم كأن يقول التاجر للتاجر: أعطيك مائة ألفٍ لقاء ألف صندوق من تمر العجوة أو مائة صاع من التمر البرحي أو الشعير، فقال له: قبلت، فيتأخر في إعطائه ويحصل الإعطاء قبل أن يفترقا، فالإيجاب والقبول تم في الساعة الثانية، والإعطاء تم في الساعة الثالثة، لكنهما لم يفترقا إلا بعد أن أعطاه، صح ذلك وجاز.

إذًا عندنا صورتان، الصورة الأولى: أن يقع الإعطاء مصاحبًا للعقد أو بعد العقد مباشرةً وهذه بالإجماع جائزة، والصورة الثانية: أن يتراخى عن الإيجاب والقبول ويتأخر عنه ولكن لا يفترقان إلا بالقبض، وهي صحيحة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صحح العقد ما دام أنهما لم يفترقا إلا بعد وجود القبض فيما يشترط له القبض.

قال: [أن يقبض الثمن تامًا معلوما قدره] .

ومفهوم هذا: أنه لو قال له: أسلفتك عشرة آلاف ريال لقاء مائة صاعٍ من التمر السكري، أو من التمر البرحي أو من تمر العجوة قال: قبلت، ولم يعطه العشرة آلاف، قال: أعطيكها غدًا، أو أعطيكها الأسبوع القادم، أو أعطيكها بعد ثلاثة أيام: لم يصح؛ لأنه يصير من باب الدين بالدين، فلا يجوز أن يفترقا إلا بعد أن يعطيه الثمن، سواءً أعطاه إياه بعد الإيجاب والقبول مباشرةً أو أعطاه إياه متراخيًا عنه قبل أن يفترقا عن العقد.

قال رحمه الله: (يقبض الثمن) ، الثمن يشترط فيه ما يشترط في الأثمان في البيوع، وأن يكون القبض تامًا، فإذا قال: عشرة آلاف، يعطيه العشرة آلاف كاملة، ولا يفترقان حتى يقبض منه العشرة آلاف تامة، وكذلك أيضًا أن يكون معلومًا، فإذا قال له: بعشرة آلاف، يبين نوعها؛ لأنه ربما مثلًا قال له: بعشرة آلاف، فيحتمل أن تكون دولارات وريالات إذا كان هناك أكثر من نوع من النقد، فلابد أن يبين نوع النقد وأن يبين جنسه وقدره.

وعلى هذا: لو قال له أعطيك ريالات في مقابل مائة صندوق من العجوة أو أعطيك دنانير أو أعطيك دراهم لم يصح؛ لأنه لم يبين قدرها، فلابد من بيان القدر فيما ينضبط قدره، وكذلك يبين نوعها إذا كان هناك نوعان من النقد، كأن يذكر الجنيهات فيقول له: أعطيك مائة جنيه لقاء مائة صاع، أو ألف صاع من التمر السكري، فيحتمل أن تكون جنيهات سعودية وقيمتها غالية، ويحتمل أن تكون غير سعودية وقيمتها رخيصة، فيكون هناك جهالة، فلابد وأن يحدد نوعها وقدرها من حيث العدد كما ذكرنا في شرط العلم بالثمن والمثمن، وبينا دليل ذلك من أن الشرع لا يصحح بيع المجهول؛ لأنه يفضي إلى التنازع والتلاعب بحقوق الناس، ومن هنا نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر لاشتماله على الجهالة المفضية إلى التنازع بين الطرفين.

قال: [ووصفه قبل التفرق] .

يصف هذا الشيء الذي أسلم فيه وصفًا منضبطًا، وقد بينا هذا كله في شرط العلم به؛ لأن السلم بيع، ويشترط فيه ما يشترط في البيع وزيادة، فللسلم شروط تسمى: الشروط العامة، وهي شروط البيع، وشروطٌ خاصة بالسلم، وهي التي بيناها في المجلس الماضي، ولا زال المصنف يذكر بعضها، فهنا: مسألة أن يكون الثمن معلومًا، فهذا من شروط البيع ويعتبر من الشروط العامة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت