قال رحمه الله: [فالشرعي ما له موضوع في الشرع، وموضوع في اللغة] فالشرعي كالصلاة مثلًا، لها موضوع في اللغة، فتطلق بمعنى: الدعاء، وتطلق بمعنى: الرحمة، وتطلق بمعنى: البركة، ولكنها في الشريعة نقلت إلى العبادة، ذات القيام والركوع والسجود والذكر على الوجه المخصوص.
قال رحمه الله: [فالمطلق ينصرف إلى الموضوع الشرعي الصحيح] اللفظ المطلق إذا كان له معنى لغوي ومعنى شرعي فإننا نصرفه إلى الشرعي، فلو قال: والله لا أصلي، فإنه يحنث بالصلاة نافلة أو فريضة؛ لأن الشرع يطلق الصلاة على هذه العبادة ذات الركوع والسجود، هذا هو المعنى الشرعي.
والمعنى اللغوي: الدعاء، فلو أنه قال: والله لا أصلي.
ثم قال: اللهم! ارحمني لم يحنث؛ لأنه عند تعارض الحقيقة اللغوية مع الحقيقة الشرعية، مع الإطلاق العام يتقيد بالشرع، فإذا قال: والله لا أصلي.
فإنه يحنث بفعل الصلاة، ولا يحنث بالدعاء، ولا بالترحم.
إذًا: الصلاة في هذا المعنى تنصرف إلى المعنى الشرعي، فلا يحنث إلا بفعل فريضة أو نافلة.
ويشترط إذا كانت بالمعنى الشرعي أن تكون معتبرة معتدًا بها شرعًا.
فلو قال: والله لا أصلي هذه الساعة.
ثم قال: أريد أن أكفر.
فقام يريد أن يصلي، فصلى ركعتين، ثم أراد أن يكفر، فتبين له أنه محدث، سقطت عنه الكفارة تيسيرًا من الله.
إذًا في هذه الحالة لا يحنص إلا إذا كانت صلاة شرعية؛ لأنه قال: والله.
أي: ألزم نفسه فيما بينه وبين الله أنه لا يصلي، فلا يكون حانثًا ولا تجب عليه كفارة إلا إذا حصل الإخلال، ولا يحصل الإخلال إلا بالصلاة الشرعية، فإذا صلى محدثًا لم تكن صلاته مجزئة.
[فإذا حلف لا يبيع أو لا ينكح فعقد عقدًا فاسدًا لم يحنث] وهذا مثلما ذكرنا، لو قال: لا أصلي ثم صلى صلاة فاسدة لم يحنث؛ لأن الشرع لا يسمي هذا صلاة، ولا يسمي هذا بيعًا، قال: والله لا أبيع.
ثم باع بيعًا فاسدًا، كأن يبيع مجهولًا، فإنه يحكم ببطلان البيع؛ لأنه من بيوع الغرر -وقد تقدم معنا- كما لو قال له: أبيعك دارًا ولم يصفها، قال: هذه الدار تشتريها مني (بمليون) ، قال: قبلت.
أعطاه (المليون) تمت صورة البيع، لكن انفسخ هذا البيع بحكم الشرع، قال القاضي: هذا بيع فاسد؛ لأن الدار لم تصفها ولم تبينها على وجه تزول به الجهالة ويصح به العقد، إذًا هذا عقد فاسد، وذلك لوجود الغرر.
في هذه الحالة لو جاء وقال: أنا قلت: والله لا أبيعه، وقد وقع مني بيع، ولكن أفسده القاضي، أو المفتي حيث قالا: هذا بيع فاسد.
نقول: إذًا وجوده وعدمه على حد سواء، ولا كفارة عليك؛ لأنك حلفت على بيع شرعي وهذا بيع فاسد.
[وإن قيد يمينه بما يمنع الصحة، كأن حلف لا يبيع الخمر أو الخنزير حنث بصورة العقد] إذا قلنا: إن البيع حقيقة شرعية، ولابد أن يكون على الصفة الشرعية، فلو أنه قال: (والله لا أبيع الخمر) ثم باع الخمر هل يحنث؟ قالوا: هنا يحنث بصورة العقد؛ لأن مراده بقوله: (لا أبيع الخمر) صورة العقد؛ لأنه في الأصل يريد أن لا يبادل؛ لأن البيع حقيقته المبادلة، وكأنه يقول: التزمت فيما بيني وبين الله أن لا أبادل الخمر بشيء، فلما وقع البيع فصورة المبادلة وجدت، فحينئذٍ نقول: قد حصل الإخلال فلزمه الكفارة من هذا الوجه.
وهناك من العلماء من لا يرى أنه ليس إخلالًا ولا تجب به الكفارة.