بالنسبة لعقد الشركة من حيث تكييفه في الفقه يعتبر من العقود الجائزة، وقد قدمنا أن: - هناك عقودًا لازمة.
-وهناك عقودًا جائزة.
-وهناك عقودًا تجمع بين الجواز واللزوم، فتكون جائزةً في أول الحال، لازمةً في آخر الحال.
وبينا هذا، وفصلناه في مقدمات البيوع.
فعقد الشركة من العقود الجائزة، والمراد بكونه جائزًا كما قدمنا: أي من حق الطرفين أو كل واحد من أطراف الشركة أن يفسخ الشركة في أي وقت شاء، فهو ليس بعقد لازم.
لو أن طرفين دفع كل منهما مائة ألف واتفقا على الشركة اليوم، وبعد ساعة من افتراقهما قال أحدهم: لا أريد.
فلا نلزمه، ولا يكون ملزَمًا بإتمام الشركة، كالبيع، وغيره من العقود اللازمة، وكالإجارة ونحوها، فهي عقد رفق، ويعتبر هذا النوع من العقود الجامعة بين المعاوضة والرفق، فالشركة فيها معاوضة، مثلًا: إذا دفعت أنت خمسين ألفًا ودفع الطرف الثاني خمسين ألفًا، فإن كلًا منكما قد جعل الخمسين في مقابل الخمسين الأخرى، فصار عقد معاوضة، ثم إن كلًا منكما يعمل في تنمية المائة ألف، فهو في هذه الحالة يعاوض صاحبه، كما أن صاحبه يعمل فهو أيضًا يعمل، فصار عقد معاوضة من جهة المال ومن جهة العمل، إلا في القراض، فالقراض عقد معاوضة بالتكافؤ، فرب المال يدفع المال، والعامل يقوم بالعمل؛ لكن شركة العنان، وشركة المفاوضة يكون فيها نوع من المعاوضة، ونوع من المقابلة للمال والعمل، كما سنبين إن شاء الله تعالى.
فهذا النوع من العقود فيه معاوضة، وفيه رفق، وقد ذكرنا أن عقود المعاوضات إجمالًا: - إما أن تكون قائمة على الغبن المحض، مثل: البيع، والإجارة، وبيَّنَّا ذلك في مقدمة البيع.
-وإما أن تكون قائمة على الرفق المحض، كهبة الثواب، يعطيك هدية، فتعطيه هدية، فحصلت المعاوضة؛ لكنك لم تقصد غبنه، وإنما قصدتَ أن ترفق به، وقَصَد أن يرفق بك.
-وإما أن تكون -وهذا النوع الثالث من عقود المعاوضات- جامعة بين الغبن والرفق، وهذا مثل: أن يقول أحدهما: لي نصف الربح، ويقول الثاني: بل لك ربع الربح، فهذا غبن يريد أن يجعل الربح الأقل في حظ صاحبه، والربح الأكثر في حظه، كالبيع، وفيها رفق؛ لأن مالك مع مال شريكك تقويا وعملُك مع عمل شريكك أصبح قويًا وصارا كالشيء الواحد، وبناءً على ذلك رفق كل منكما بصاحبه.
ذكرنا في مقدمة البيوع أن عقود المعاوضات التي تقوم على الغبن تشدد الشريعة في شروطها، مثلًا: كالبيع، يعتبر من عقد المعاوضة القائم على الغبن؛ لأنك إذا أردت بيع الشيء تقول: أبيعه بمائة ألف، فيقول المشتري: أشتريه بثمانين ألفًا، فتقول: لا.
بل مائة، فيقول: بثمانين.
فمعناه أن هناك عشرين ألفًا إما أن تضعها غبنًا على صاحبك، أو يضعها غبنًا عليك.
فالبيع عقد غبن، فهذا النوع من العقود كعقد البيع وعقد الإجارة تجد الشروط الشرعية فيه أكثر؛ لأنه يقوم على الغبن والخطر؛ لكن عقود الرفق، مثل الهبات والعطايا التي تكون بالمقابل وبالمعاوضة لا يشترط فيها ما يشترط في البيع؛ لأنها قائمة على المكارمة والإحسان، فتخفف الشريعة في شروطها.
أما العقود التي تجمع بين الغبن والرفق كالشركات ففيه نوع من التشديد، وفيه نوع من التيسير، وسنبين هذا -إن شاء الله- في شروط عقود الشركات على حسب أنواعها، فتارةً تكون الشروط لتحقيق مصلحة للطرفين، وتارةً تكون لدفع الضرر عنهما أو عن أحدهما إذا أراد الآخر أن يضر بمصالحه.