ينبغي أن يكون الصلح بتقوى الله، وأن يكون في حدود طاقة الناس، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وعلى المصلح إذا لم تقبل شفاعته أن لا يحقد، وأن لا يحمل في نفسه على من رد شفاعته، فإن الإمام مالكًا رحمه الله يقول قولته المشهورة: (ليس كل الناس يستطيع أن يُبدي عذرًا) فلربما كان هذا الرجل يحبك ويكرمك.
بل إن واحدًا من مشايخنا رحمة الله عليهم دخل في قضية فشفع فلم يُشفَّع، وكان الرجل صريحًا معه، فلما رجع قال له بعض طلابه: إن فلانًا أساء برد شفاعتك، فقال له: لا تغتب، والله إني أحببته لصدقه.
وهذا شأن العقلاء: إن فلانًا له ظرف كذا وكذا وذكر ظرفه فالإنسان العاقل الحكيم يقدِّر ظروف الناس، والعالم علِم بعذر هذا الرجل دون أن يحدِّثه الرجل فقدَّر ظرفه، فينبغي لمن رُدَّت شفاعته في الصلح أن لا يحقد وأن لا يحمل في نفسه على من سأله أن يعفو فلم يفعل.
وفي الصلح مسائل وأحكام سنتكلم عليها إن شاء الله في الدرس القادم، وأحببت أن يكون هذا المجلس عن مقدمات الصلح؛ لأن أحكام الصلح مرتبط بعضها ببعض، فنظرًا لأن هذا الدرس سيكون إن شاء الله آخر الدروس حتى ننقطع للاختبارات، رأيت من المناسب إن شاء الله أن تكون أحكام الصلح مترتبة بعضها على بعض ومتصلة.
وصلى الله وسلم وبارك على نبيه وآله وصحبه.