قال: [في ذمتيهما بجاهيهما] : (بجاهيهما) : الجاه -كما ذكرنا- السمعة، ويقع هذا على صورتين: الصورة الأولى: أن يؤخذ من الشخص المال أو العَرَض بجاه أحدهما، على أنه في ذمة الشريكين.
والصورة الثانية: أن يؤخذ بجاه الشريكين على ذمتيهما.
مثال الأول: تقول: نتفق الآن على أن ما يُشْتَرى على ذمتينا، فقلتَ له: نريد أن نشتري سيارات، ووجدنا السيارات الطيبة التي لها سوق عند زيد من الناس يعرفك ولا يعرفني.
إذًا: حينئذٍ الجاه الذي سيُعطى لقاءه المال، إنما هو جاه أحد الشريكين دون الآخر.
فقوله: (بجاهيهما) : يشمل ما إذا كانا معًا في تقبُّل السلع، أو كان أحدهما دون الآخر، فلو أن صاحب المعرض يعرفك ولا يعرفني فاشتريتَ السيارة على ذمتي وذمتك، فجاهك في السيارة كلها من ناحية البذل؛ لكن ذمتك في السيارة على الأصل في نصفها.
مثلًا إذا كانت قيمة السيارة مائة ألف، وصاحب المعرض لا يعرف إلا أحد الشريكين، فإذا كان لا يعرف إلا أحد الشريكين، فلا يمكن أن ندخل جاهين، وإنما سندخل جاهًا واحدًا، فاشترى السيارة بمائة ألف، فنقول: هذه السيارة اشتُريت بجاه أحدهما؛ ولكنها بذمة الطرفين، فتكون الذمة الأولى -وهي التي لصاحب الجاه الذي أعطيت السيارة له- في الخمسين ألفًا التي هي نصف قيمة السيارة أصلًا، فيتحملها الخمسين بالأصل، ويتحمل الخمسين الثانية كفالةً، فهو أصيل عن نفسه بجاهه، وكفيل عن صاحبه؛ لكن صاحب المعرض من حيث الأصل سيطالب من يعرفه، ولا يطالب من لا يعرفه، إلا إذا اتفقا في العقد عليهما معًا ويكون حينئذٍ كافلًا له، فهو مديون من وجه، وكفيل من وجه آخر.
إذًا: (بجاهيهما) : تشمل الصورة الأولى: أن يكون المال المدفوع والعَرَض المدفوع بجاه أحدهما مثلًا: جاءا يشتريان عمارة، فقال له: يا فلان! جاهي وجاهك على أن نشتري في الأراضي، وأي شيء تشتريه أو أشتريه فبيننا مناصفةً والربح بيننا مناصفةً، فجاءا إلى عمارة، ووجدا أن هذه العمارة تباع بمليون، ومن المصلحة أن يشتريا هذه العمارة ثم يبيعانها بأكثر، فأخذا هذه العمارة دَينًا على الطرفين، فإذا أخذها أحدهما وهو معروف من صاحب العمارة دون الآخر، فإن قال له في العقد: أنا وفلان شركاء، سنأخذ منك هذه العمارة بمليون، فحينئذٍ معناه أن صاحب العمارة اتفق مع الطرفين؛ لكن يقول له صاحب العمارة: أنا لا أعرف صاحبك، هل تكفله؟ فيقول: أكفله؛ لأننا شركاء، فحينئذٍ يكون أصيلًا عن نفسه كفيلًا عن صاحبه.
ففي أي عقد من عقود شركة الوجوه أحدهما أصيل عن نفسه كفيل عن الآخر، وإذا كان يعرفهما معًا فقد اشتُري المال بجاهيهما.
وكلاهما في هذه الحالة المال بينهما كفالةً وغُرْمًا، وحينئذٍ يبتاعان ويكون بينهما الربح على حسب الاتفاق.
(بجاهيهما) : يمكن أن تقول: بجاهيهما، الباء للسببية، أي: بسبب جاهيهما؛ لأن الباء من معانيها: السببية، كقوله تعالى: {فَكُلًَّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ} [العنكبوت:40] ، أي: بسبب ذنبه، وقد تكون للتعليل، والمراد بها التعليل، وهو قريب من المعنى الأول.