قال رحمه الله: [والعرفي ما اشتهر مجازه فغلب الحقيقة كالرواية والغائط ونحوهما] هذا النوع الثالث من الحقائق: وهي الحقيقة العرفية، فقوله: (ما غلب مجازه على الحقيقة) مثل: الغائط، والراوية، فلو قال: والله لا أذهب إلى الغائط، فالعرف أن الغائط مكان قضاء الحاجة، وذلك لقوله تعالى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} [النساء:43] يعني: مكان قضاء الحاجة، فقوله: والله لا أذهب إلى الغائط، أو لا أدخل الغائط، أو لا أجلس في الغائط، يحمل على الحقيقة العرفية، فيحنث بدخوله مكان قضاء الحاجة، وحينئذٍ لا يحكم بكونه حانثًا إلا إذا دخل فيه، لكن لو قصد الحقيقة اللغوية، وقال: أردت بالغائط المكان المطمئن؛ فحينئذٍ نيته تنقله من الحقيقة العرفية إلى الحقيقة اللغوية؛ لأنه نوى ذلك وقصده.
لكن لو تعارضت الحقيقتان، كأن قال: والله لا أجلس في غائط، فقال بعض الفقهاء: هذه حقيقة لغوية وحقيقة عرفية، فأيها يقدم؟ يقدم العرفية على اللغوية في قول جمهور العلماء رحمهم الله في هذه المسألة، وهذا ما درج عليه المصنف رحمه الله، أن العرف معتبر.
إذًا الراوية والغائط تنتقل من المعنى العام إلى المعنى الخاص.
[فتتعلق اليمين بالعرف] الأصل في الاحتجاج بالعرف القاعدة الشرعية التي دلت عليها نصوص الكتاب والسنة: (العادة محكمة) ، فإذا جرى العرف بذلك فإنه يؤثر.
جلس قوم في شركة أو مؤسسة وعندهم غرفة معينة اصطلحوا على تسميتها (الغرفة) فهذا عرف خاص، فإذا حلف شخص وقال: والله لا أدخل الغرفة، فالغرفة حقيقة لغوية للمكان المبني بالهيئة المعروفة، فكلمة (الغرفة) في اللغة عامة في كل غرفة، ولكن العرف والأصل أنه يريد هذه الغرفة، لاختصاص هذه الغرفة بالعرف.
إذًا: لابد للفقيه إذا سئل عن الأيمان أن يكون ملمًا بدلالة اللغة في هذا اللفظ الذي سُئل عنه، وأن يكون ملمًا بدلالة الشريعة، فإذا قال: والله لا أتصدق، والله لا أهب، كيف يعرف أنه حنث أو لم يحنث إذا لم يعلم حقيقة الهبة، وحقيقة الصدقة، وحقيقة الوقف؟ إذًا: لابد من إدراك هذا كله حتى يحكم بكونه حانثًا أو غير حانث.
[فإذا حلف على وطء زوجته أو وطء دار تعلقت يمينه بجماعها وبدخول الدار] أي: لو قال: والله لا أطأ زوجتي.
تعلقت يمينه بجماعها، هذه حقيقة عرفية، ولو قال: والله لا أدخل الدار، لم يحنث إلا بدخول جرمه كاملًا فيها، والدار إذا خصها العرف بشيء معين اختصت به؛ لأن الدار في بعض الأحيان قد تطلق حتى على الخباء، يقول الشخص: هذه داري.
وهي خيمة، وقد تختص بالبناء.
إذًا العرف له تأثير في دلالات الألفاظ، فحينئذٍ نتقيد بهذا العرف، وإن كانت دلالة اللغة عامة كما بيّنا.
[وإن حلف لا يأكل شيئًا فأكله مستهلكًا في غيره كمن حلف لا يأكل سمنًا فأكل خبيصًا فيه سمن لا يظهر فيه طعمه، أو لا يأكل بيضًا فأكل ناطفًا لم يحنث] هذه المسألة تقدمت معنا في الصيد في المستهلك ومتى يحكم باستهلاكه وعدمه، في المستهلك من الممنوع أكله وطعمه مثل: الزعفران وغيره.
فعلى كل حال إذا استهلكت وذهبت مادة السمن في المطبوخ فإنه لا يؤثر؛ لأنه لم يصدق عليه أنه أكله، أما لو بقي شيء من المادة فإنه يؤثر.
[وإن ظهر طعم شيء من المحلوف عليه حنث] لأنه حينئذٍ يتحقق السبب الموجب للحنث، وهو وجود طعم الذي حلف أنه لا يطعمه.