فهرس الكتاب

الصفحة 1233 من 7030

يقول العلماء: السفر تعتريه الأحكام الخمسة، فيكون واجبًا، ومندوبًا، ومباحًا، ومكروهًا، وحرامًا.

فيكون السفر واجبًا إن اشتمل على واجب، كسفر حج الفريضة، وكذلك السفر لبر الوالد والوالدة، فلو أن الوالد أمر ولده أن يأتيه في مدينته والولد في مدينة أخرى، وليس عند الولد عذر يمنعه من السفر وجب عليه أن يسافر، ولزمه برُّ أبيه بالسفر، فهذا السفر يكون واجبًا.

وهكذا بالنسبة للسفر الذي يكون الإنسان فيه يؤدي أمرًا واجبًا عليه، فإنه يعتبر من الأسفار الواجبة.

ويكون السفر مندوبًا ومستحبًا لو اشتمل على أمر مندوب ومستحب كحج النافلة والعمرة، فهذا مندوب ومستحب، فإنه إذا سافر يقال: هذا سفر مندوب.

ويكون السفر مباحًا إذا انتفت فيه الدوافع، سواءٌ أكانت للنّدب أم للوجوب، وانتفت فيه الموانع، سواءٌ أكانت للتحريم أم للكراهة، ومن أمثلته: السفر للتجارة، فإنه يعتبر من المباحات، وهكذا السفر للنزهة، فإنه يعتبر من الأسفار المباحة.

ويكون السفر مكروهًا إذا اشتمل على أمر مكروه لا يصل إلى درجة الحرمة، فلو أنه سافر على وجه لا يتضمن الحرام، كما لو كان مشتغلًا بطلب العلم، وهذا السفر يشغله عن طلب العلم فإنه يكون في حقه مكروهًا إذا اتصل هذا السفر بما يوجب شغله عن طلب العلم.

ويكون حرامًا إذا تضمن أمرًا محرمًا، كسفره -والعياذ بالله- للزنا، أو لشرب خمر، أو لقطع طريق، أو عقوق والدين، ونحو ذلك، فهذه خمسة أحوالٍ للسفر.

فإذا كان سفره مباحًا جاز له أن يترخص، وإذا كان مندوبًا جاز له أن يترخص؛ لأن المندوب فيه الإباحة وزيادة، وهكذا إذا كان واجبًا؛ لأن الواجب فيه الإباحة وزيادة.

ففي هذه الثلاثة الأحوال يجوز له أن يترخص برخص السفر.

أما لو اشتمل سفره على معصية كأن يسافر لقطع طريق، أو عقوق والدين -والعياذ بالله- فإن هذا السفر المحرم قد اختلف العلماء فيه على قولين: القول الأول يقول: إن السفر المحرم لا يحل لصاحبه أن يترخص فيه، فيجب عليه فيه أن يُتِم الصلاة أربعًا، ولا يأخذ برخص السفر.

وهذا مذهب الجمهور رحمة الله عليهم.

القول الثاني: من سافر سفر معصية يجوز له أن يترخص.

وهو مذهب الحنفية، واختيار بعض المحققين من العلماء رحمة الله على الجميع.

أما من قال: إنه لا يترخص فإنه يحتج بقوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ} [البقرة:173] قالوا: إن الاضطرار شرطه أن لا يكون بغيًا ولا عدوانًا، ولذلك لما فسر حبر الأمة وترجمان القرآن هذه الآية قال: غير قاطع للطريق وذكر المحرمات.

فكأنه يرى أنه إذا كان باغيًا أو عاديًا لا ضرورة له فلا رخصة له.

قالوا: وهذا حبر الأمة وترجمان القرآن وقد فسر كتاب الله عز وجل، وهو المدعو له أن يُفقَّه في الدين، وأن يُعَلَّم تأويل الكتاب، فقصر الرخص على انتفاء وجود البغي والعدوان، فهذا أولًا.

ثانيًا: أن السفر إذا أُطلق في الشرع ينبغي أن يتقيد بالمعروف شرعًا، والمأذون به شرعًا؛ لأنه لا يعقل أن الشرع يأذن له بالرخصة مع كونه يمنعه من السفر، فيعتبر السفر من وجهٍ ويحرمه من وجه.

قالوا: فهذا شيء من التناقض، فلما كان هذا السفر غير مأذون به شرعًا لم تتصل به الرخص؛ لأنه مأمور بإلغاء هذا السفر، فكيف يباح له أن يترخص فيه؟ والعجيب أن هذا القول من القوة بمكان من جهة الأصل؛ فإن القاعدة تدل على أنه إذا شك في الرخصة فإنه يرجع إلى الأصل، والأصل أن الإنسان يجب عليه أن يصلي أربعًا بناءً على أنه مقيم.

ولا نعني بالأصل ما سبق التشريع من كون الصلاة فرضت ركعتين ركعتين، فهذا أصل الوصف وليس له تأثير في الاستدلال، وإنما نعني أن الأصل فيه أنه مقيم.

ولما شككنا هل هذا السفر سفر رخصة أو ليس برخصة رجعنا إلى الأصل من كونه مطالبًا بفعل الصلاة أربعًا.

وأما الذين قالوا: إنه يقصر فقالوا: إن الله عز وجل أطلق فقال: {إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ} [النساء:101] ، ولم يفرق بين كونه ضربًا بسفر مباح، أو ضربًا بسفر محرم.

وهكذا قالوا: إن الأدلة التي وردت في القصر مطلقة، والأصل في المطلق أن يبقى على إطلاقه.

وقد ناقش الجمهور هذا فقالوا: إن المطلق في الشرع مقيد بالمعهود، فنحن نعني بالسفر ما أُذن به شرعًا، فحينئذٍ يستقيم التقييد بما عرف شرعًا.

والنفس تميل إلى أنه يُحتاط، فالسفر القائم على المعصية لا يُتَرخص فيه ما أمكن؛ إعمالًا للأصل الذي ذكرناه، وإعمالًا لقوله عليه الصلاة والسلام: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) ؛ فإن أقل درجاته الشبهة، ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه.

وعلى هذا فإنه يتم الصلاة ويبقى على الأصل الذي أوجبه الله عز وجل عليه، كما قال جمهور العلماء رحمة الله عليهم.

وهناك أمر ينبغي التنبه له، وهو أن العلماء رحمة الله عليهم فرقوا بين كون السفر سفر معصية، وكونه سفرًا تُفعَل فيه المعصية.

فالمعصية في السفر كأن يسافر لأمر مباح، ثم يفعل معصية أثناء سفره، فهذا لا يشمله هذا الحكم، فلو أن إنسانًا سافر لقصد التجارة ثم -والعياذ بالله- زنى أثناء سفره، أو شرب الخمر، فإن هذا لا ينطبق عليه ما ذكرناه؛ لأنه ما خرج أصلًا لفعل الحرام، وإنما خرج للمباح وهو التجارة.

ولو أنه سافر للمباح ولفعل الحرام، فإنهم قالوا: يأخذ حكم من سافر للحرام أصلًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت