قال رحمه الله: [وإقطاع الجلوس في الطرق الواسعة ما لم يضر بالناس] .
للإمام الإقطاع للجلوس في الطرقات، والمراد بهذه المسألة الباعة، كانوا في القديم يختصمون في الطرقات؛ لأن الباعة يبسطون ما يبيعونه على الطريق من أجل أن يشتري الناس منهم، فللإمام الإقطاع للجلوس في الطرقات من أجل البيع وعرض السلع، فيحدد أماكن ويقول: المكان الأول لفلان والثاني لفلان وهكذا لأنه لو تركهم ربما حصلت فتنة بين الناس وحصل ضرر، فله الحق أن يتدخل من أجل كف بعضهم عن بعض تحقيقًا للمصلحة، ودرءًا للمفسدة، فيجعل لهم من يرتبهم، ويقسم بينهم الأماكن بالعدل والسوية، وإن حصلت مشاحة أو استواء أقرع بينهم أو نظر إلى ما يوجب تفضيل بعضهم على بعض مما يأذن به الشرع، فهذا إقطاع للجلوس على الطرقات، لكن بشرط: ألا يضر هذا الجلوس بالمسلمين، فإن كانت الأماكن التي أقطعت تضيق الطريق وتؤدي إلى ضيق الناس أثناء خروجهم من المساجد أو من المجتمعات أو نحوها؛ فحينئذ لا يقطع مثل هذا، بل يقطع على وجه لا ضرر فيه، ومما يضر بالناس في مشيهم في هذا الطريق زحام الناس على الباعة، فأصحاب البيوت يتضررون في خروجهم ودخولهم، ويتضرر نساؤهم، ويطلع على عوراتهم، فإن كان كذلك لم يقطع في مثل هذا، ومراد المصنف أن الحكم العام ينبغي ألا يضر بالمصالح الموجودة للمسلمين في ذلك المكان، ولذلك لابد من ترتيب هذا الأمر، والنظر إلى مصالح الناس، ومراعاة عدم حصول الضرر عليهم، وهذا الضرر قد يكون حسيًا كالزحام الشديد في الطريق، وقد يكون معنويًا كصياح الناس ولغطهم، لا سيما إذا كان الإقطاع لهم بجوار المستشفيات أو بجوار الأماكن التي يكون فيها مرضى، أو فيها كبار السن، أو فيها مدارس، فيكون هذا إزعاجًا لهم، فكل شيء ينبغي أن يترتب، ويوضع في مكانه، فيكون الإقطاع على وجه لا ضرر فيه، والشريعة لا تأذن بالمصلحة التي فيها ضرر، إنما تريد المصلحة التي لا ضرر فيها، أو يكون الضرر فيها مقبولًا وسائغًا، ولذلك لابد أن يراعي الإمام عدم الإضرار بالناس.
قال رحمه الله: [ويكون أحق بجلوسها] .
ويكون المقطع أحق بالجلوس في هذا المكان ولا يملكه، فكونه أذن له بالجلوس في هذا المكان لا يقتضي ملكيته، فلو أزيل هذا الشارع مثلًا لم يعط شيئًا عوضًا عنه؛ لأنه لا يملك المكان بهذا الإقطاع، ولا يجوز أن يبيعه، فلو جاء وقال: أنا أخذت محلًا في المكان الفلاني لأبيع فيه في الموسم، فلا يجوز أن يقول لشخص: اشتر المكانه مني؛ لأنه لا يملكه، وشرط الشراء والبيع: أن يكون البائع مالكًا لما يبيعه، وهذا ليس بمالك، ولذلك لا يصح بيعه، لكن بعض أهل العلم يرخص في أخذه العوض للتنازل، وهذا مبني على مسألة: هل يجوز المعاوضة والنزول عن الاستحقاق أو لا؟ فبعض العلماء يرخص في هذا.
لكن تجويز أن يبيع استحقاقًا لا يخلو من نظر، خاصة في مثل هذا؛ لأنك إذا جئت تنظر إلى أن الإقطاع من أجل مصلحة المسلمين، فإذا تأخر عن ذلك وقال: لا أريد، وأريد غيري، فيُخرج حتى يُمكن من هو أحق منه، وهذا هو الذي كان يختاره بعض مشايخنا: أن الاستحقاق لا يحق فيه أخذ العوض حتى ولو كان سابقًا، والسبب في هذا: أننا لو جئنا -مثلًا- إلى أماكن نريد أن نقطعها لأشخاص من أجل البيع فيها في الموسم، فرضنا أنها خمسمائة مكان، وتقدم ألف شخص، فإذا أقطعت هذه الأماكن، فإن الخمسمائة شخص سيأخذون هذه الأماكن، والخمسمائة الثانية من الأشخاص أولهم يستحق المكان الذي ينسحب منه أي شخص من السابقين؛ لأن كل مكان يخلو من الخمسمائة الأولى يستحق للخمسمائة الثانية، فهناك من هو أحق، فكيف يقدم من هو متراخٍ، ويكون ذلك للعوض؟ فلذلك كثيرًا ما يحدث الضرر بمثل هذه الفتوى، فتجد من يتقدم لهذه الأماكن وهو لا يريدها، ولم يفكر في يوم من الأيام أن يبيع فيها، إنما مراده أن يأخذها حتى يقول: أنا أخذتها وسبقت، فأبيعها وآخذ عوضًا، فهو لا يريد إلا المتاجرة بهذا الاستحقاق، ولذلك قفل الباب في مثل هذا والمنع منه؛ أولى وأحرى إن شاء الله.