قال رحمه الله: (على طاهرٍ مباحٍ) : يشترط في الخف: - أولًا: أن يكون طاهرًا.
-ثانيًا: أن يكون مباحًا.
أن يكون طاهرًا: فلا يمُسح على نجس؛ لأن الخف النجس: أولًا: لا تصح الصلاة به، لما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نزع نعليه لَمَّا أخبره جبريل أنهما ليستا بطاهرتين، فدل على أن حذاء المصلي لا بد أن يكون طاهرًا، فلا يتأتى أن يمسح على هذا النوع وهو النجس.
ثانيًا: أنه بالمسح يتنجس ولا تتحقق طهارة الموضع، فلا بد وأن يكون طاهرًا.
وأن يكون مباحًا: أي: يكون ذلك الخف مباحًا، ويخرج بقوله: (مباحًا) ما كان حرامًا، وهو كالمغصوب، أو يكون من جلد ميتة غير مدبوغ، أو من جلد ميتة لا يُدْبَغ مثلُه، بأن يكون مِن جلد ما لا يُذَكى، إذا قيل: بأنه لا تؤثر الدباغة فيه، كالسباع مثلًا، على القول بأنها لا تطهر جلودوها بالدباغ، فإن هذا في حكم المحرم؛ لأنه نجس وغير مأذون بالانتفاع به.
وبناء على هذا: فلا بد من تحقق الطهارة وكونه مباحًا.
واختلف العلماء: لو لبس خفًا مغصوبًا، أي: أخَذَ خف إنسان ظلمًا ثم لبسه وأراد أن يمسح عليه، فهذه المسألة للعلماء فيها وجهان مشهوران مفرَّعان على مسألة أصولية وهي: هل النهي يفيد فساد المنهي عنه أو لا يفيد؟ أو هل النهي يقتضي فساد المنهي عنه؟ وتوضيح ذلك: - أنك إذا قلت: إن الخف المغصوب منهي عنه، والنهي عنه يقتضي فساد الصلاة به وكذلك فعل العبادة به، فيبطل المسح عليه، وهذا قول الحنابلة.
-وقال جمهور العلماء: يصح مسحه ويأثم باللبس.
ففرع المصنف على هذا الأصل، فقال: [على طاهرٍ مباحٍٍ] ؛ لأن غير المباح لا يجوز له ولا يصح أن يمسح عليه.
ومذهب الجمهور أنه يصح المسح ويأثم، وهو كالصلاة في الدار المغصوبة، وعلى الأرض المغصوبة، فإنه تصح الصلاة؛ لأنه مأمور بها شرعًا وقد تمت أركانها وشرائط صحتها، ويأثم؛ لأن الجهة منفكة، والقاعدة: أن النهي لا يقتضي الفساد إلا إذا اتحد المحل بأن ينصبَّ إلى الذات -ذات الشيء- أو إلى الوصف اللازم له.
وبناءً على هذا: لا يعتبر مسحه على الخف المغصوب موجبًا لعدم صحة وضوئه.
فالصحيح: أنه يأثم بلبس الخف ويصح مسحه.
قال رحمه الله: [ساترٍ للمفروض يَثْبُتُ بنفسه] .
(ساترٍٍ) هذا الشرط الثالث: - أن يكون ساترًا للمفروض.
لأن البدل يأخذ حكم المبدل، والمسح بدل عما أمر الله بغسله وهو الرجلان، فوجب أن يستر جميع الرجلين اللتين أمر الله بغسلهما، أي: محل الفرض، فلا بد أن يكون ساترًا من أطراف الأصابع إلى الكعبين، والكعبان داخلان كما قررناه في آية الوضوء.
فلو كان الخف إلى نصف القدم، فإنه لا يجوز أن يمسح عليه؛ لأنه غير ساتر لمحل الفرض، ولو انكشف الكعبان أو انكشفت رءوس الأصابع، فإنه لا يصح أن يمسح عليه؛ لأنه أيضًا غير ساتر لمحل الفرض.
(يثبت بنفسه) هذا الشرط مبني على أنه إذا وردت الرخصة في الشرع فينبغي تقييدها بالوصف الذي ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، فالخفاف التي كانت موجودة ومعروفة تثبت بنفسها، فيخرج ما لا يثبت؛ لأن الذي لا يثبت بنفسه عرضة لأن يكشف محل الفرض، وبناءً عليه: فإنه لا يمُسح عليه ولا يعتبر على صفة الخف الذي هو الأصل أو الذي ورد دليل الشرع باستباحة المسح عليه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن خفه مشدودًا، ولو كان مما يُشَد أو كان مما ينزل عن الموضع لبَيَّن ذلك، ولكان ظاهرًا من الأحاديث التي جاءت بذكر مسحه صلوات الله وسلامه عليه على خفيه.