وقوله: (أو دعاه ذمي) ، العلماء يكرهون إجابة دعوة الذمي، وقد بينا ضابط أهل الذمة من أهل الكتاب، وبينا معاملة المسلمين لهم وحقوقهم على المسلمين وحقوق المسلمين عليهم، بينا هذا كله في كتاب الجهاد، ولكن إذا دعا الذمي مسلمًا فبعض العلماء يقول: فيه تفصيل: إن كانت إجابتك للدعوة من أجل أن تدعوه للإسلام، وبشرط ألا يكون طعامه طعامًا محرمًا كالميتة والخنزير والشراب المحرم كالخمر ونحوها؛ فإنه يجوز لك ذلك ويشرع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم استضافه يهودي على خبز وإهالة سنخة، وكذلك أيضًا استضافته اليهودية -عليها لعائن الله تترى- لما وضعت السم في الشاة، فما وضعته إلا بعد دعوة النبي صلى الله عليه وسلم واستضافتها للنبي عليه الصلاة والسلام.
قالوا: هذا يدل على أنه إذا رجا أن يدعوهم أو يتألفهم للإسلام فلا بأس، كالعالم والقاضي والإمام ونحوهم، وأما إذا كان من عامة الناس المسلمين فتكره؛ لأنه يخشى أن يؤثر عليه.
وهكذا إذا علمت أن له غرضًا كمصلحة دنيوية، خاصة إذا كان موظفًا تحتك أو نحو ذلك فلا تجب الدعوة؛ لأنها أشبه بالرشوة؛ لأنه يريد أن يتوصل بها إلى مصلحته، والحكم لا يختص بالذمي، بل حتى لو دعاك من هو دونك في المرتبة لمصلحة في العمل والوظيفة من أجل محاباته فإنه لا يجوز لك إجابته، وكالطالب يدعو شيخه إذا كان تلميذًا عنده، كما هو موجود في المدارس أو نحوها فإنه لا يجيبه إلا إذا كانت دعوته عامة كدعوة الزواج فإنه يحضر زواجه، لكن إذا قال له: أريد أن تتغدى عندي أو تتعشى، بدعوة خاصة فإنه لا يجيب، وكالقاضي لا يجيب الناس إلى الدعوات الخاصة إلا ممن كان يدعوه قبل القضاء، أما بعد القضاء إذا دعاه فمن المعلوم أنه ما دعاه إلا لأجل أنه قاضٍ.
وعلى هذا يفرق في دعوة الذمي بين أن يكون فيها مصلحة شرعية يقصد منها مقصود شرعي وبين غيرها.
قالوا: إذا دعاك الذمي ولم يكن هناك غلبة ظن أنك تؤثر عليه فإنك إذا أكلت طعامه ستكون منة له عليك، واحتقارهم مطلوب شرعًا، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (إذا لقيتموهم في الطريق فاضطروهم إلى أضيقه) ، فشعورهم بعزة الإسلام وعلو الإسلام مقصود شرعًا، والإسلام يعلو ولا يعلى عليه.
وقد قالوا في الحكمة والمثل: (من أكل طعام قوم ذل لهم) يعني: تنكسر عينه، ويصبح كأنه ملك بذلك المعروف، فإذا أكل المسلم طعام الذمي كأنه صارت منة للذمي على المسلم، وأصبح الفضل للذمي على المسلم، وهذا سبيل لا ينبغي أن يمكن الذمي منه.