قال رحمه الله: [وإن وقع بلفظ الخلع أو الفسخ أو الفداء ولم ينوه طلاقًا] هذه الثلاث هي صريح ألفاظ الخلع عند الحنابلة رحمهم الله كما نص على ذلك الإمام ابن قدامة وغيره.
وهذه الثلاثة الألفاظ إن وقع الخلع بها كان النوع الثاني من الخلع، وهو الذي يُوجِب الفِراق وفسخ النكاح؛ لكنه لا يُعتَد به طلاقًا ولا يُحتسب من الطلاق، فلو كان طلقها قبل الخلع طلقتين، ثم خَالَعَتْه بدون أن يَتَلفَّظ بالطلاق؛ فإنه لا يُعَد هذا الخلع طلاقًا، وتبقى له منها طلقة، فلو أنه أراد أن يَنْكِحها بعقدٍ جديدٍ قبل أن تنكح زوجًا غيره، حَلَّ له ذلك؛ لأنه بقيت له طلقة.
أما على مذهب الجمهور، فإنه إذا خالعها وكان قد طلقها طلقتين؛ فإنها حينئذٍ تُعتبر حرامًا عليه، لا تَحِل له حتى تَنْكِح زوجًا غيره؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم اعتبر الخلع طلاقًا، وقال لـ ثابت رضي الله عنه، لما خَالَعَتْه امرأته جميلة بنت أُبي بن سلول: (اقبل الحديقة، وطلقها تطليقة) ، فألزمه بالطلاق وأمره به، فلو كان الخلع لا يقع طلاقًا لم يُلزِم به النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يجعله مطلقًا بحيث يفوت عليه ثلث طلاقه، ومن هنا أخذ الجمهور أن الخلع طلاق.
لكن ذهب ابن عباس ويحكى عن عبد الله بن الزبير، وجملة من التابعين - طاووس وعكرمة - والحنابلة رحمهم الله أنه ليس بطلاق.
ولذلك فإن الخلع والفسخ والفدية، هذه الثلاثة الألفاظ تُعتبر في المذهب من صريح ألفاظ الخُلْع كما اختاره الإمام ابن قدامة وغيره.
قال المصنف رحمه الله: [كان فسخًا لا ينقص عدد الطلاق] فقوله: (كان فسخًا) هذا الحكم.
قوله: (لا ينقص عدد الطلاق) هذا الأثر.
فمن فوائد الخلاف في مسألة الفسخ ومسألة الطلاق: أن مَن قال: إن الخُلْع يُعتبر طلاقًا فإنه يَحتسبه طَلْقَة، فإن كانت الأخيرة حَرُمت عليه، وإن كانت الأُولَى اعتُد بها، فتُحسب في الطلاق في المستقبل إذا نكحها؛ وأما إذا قلنا: إنه مجرد فِراق، فحينئذٍ لا يُحتسب طلاقًا، ولكن يُفرَّق بينهما.
وفي الترمذي ورد عنه عليه الصلاة والسلام في حديث الربيِّع أنه -عليه الصلاة والسلام- جعل عِدَّة المُخْتَلِعَة حيضة، وهذا حديث مضطربٌ ومُتكلَّم في إسناده، وسيأتي -إن شاء الله- الإشارة إليه، وهذا الحديث يُحتج به على أن الخُلع فِراق، والصحيح: أن الخلع طلاق كما ذكرنا؛ لأن آية البقرة والحديث لا يَقْوَيَان على معارضة الصحيح الصريح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمر بالطلاق في الخلع.
وهنا مسألة: إذا قلنا: إن الخلع طلاق، فلو كانت المرأة حائضًا؛ هل يجوز له أن يُخالِعها وهي حائض؟ اختار بعض العلماء كالإمام ابن قدامة رحمةُ الله عليه وغيره من العلماء أن الخُلع يجوز حال الحيض، فيجوز حتى على القول بأنه طلاق؛ والسبب في هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال ل ثابت: (اقبل الحديقة، وطلقها تطليقة) لم يستفسر، أهي حائضٌ أو غير حائض.
قالوا: (وتَرْك الاستفصال في مقام الاحتمال يُنَزَّل منزلة العموم في المقال) .
أي: طَلِّقْها تطليقة سواءً كانت حائضًا أو غير حائض.
وعلى هذا -حتى عند الحنابلة رحمةُ الله عليهم الذين يقولون: إن الخلع يكون طلاقًا إذا تَلَفَّظ بالطلاق- قالوا: يجوز أن يُتَلَفَّظ بالطلاق وهي حائضٌ في حال الخُلع؛ لأن الطلاق وقع تَبَعًا ولم يقع قَصْدًا، وفرقٌ بين التابع وبين القَصْد، وقد بيّنَّا دليل هذه القاعدة من السنة في حديث ابن عمر رضي الله عنهما في الصحيحين.
فقالوا: يجوز أن يُخالِعها بلفظ الطلاق، ولو كانت حائضًا، وقالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستفصل من المرأة المختَلِعَة، وقالوا: إن الخلع وقع الطلاق فيه تَبَعًا ولم يقع أصلًا.