السؤالما حكم إعطاء جوائز عينيه مقابل الشراء بمبلغ معين؟ وكذلك ما حكم توزيع الهدايا ترغيبًا في كسب الزبائن أثابكم الله؟
الجوابنبه العلماء رحمهم الله في قاعدة: (الضرر يُزال) على أنه ينبغي في السوق ألَّا يتسبب البائع في أذية إخوانه، وألَّا يضر بمن ينافسه في السوق؛ والسبب في هذا: أنه إذا قُطع الباعة عن المغريات اتجه الناس لتفضيل التاجر من خلال أمانته وضبطه وصدقه، وأصبحت الشهرة من خلال المعاملة الشريفة النزيهة.
لكن إذا دخلت المغريات الدنيوية أصبحت الشهرة بالمال، ولربما يكون من أكذب الناس، ولربما يكون أكثر غشًا؛ لكنه لقاء المغريات يُقْبِل عليه الناس ويُعْرَف محله ويشتهر، مع أنه لا يستحق هذا كله.
فهذه القاعدة: (الضرر يُزال) تجعل أسواق المسلمين متكافئة، فلا يَفْضُل فيها إلا من عُرف بنزاهته، فالآن لو أنه لا توضع جوائز لأصبح كلٌ يبذل البيع لقاء معاملته مع الناس من حسن السمعة في الأمانة والثقة والدقة في المواعيد، والانضباط فيها، وعدم الغش، وسلامة المبيعات.
ولو نظرنا قَبْل ثلاثين سنةً حينما لم تكن الجوائز موجودة لوجدنا أن التاجر الذي يشتهر بين الناس والذي يعرف بين الناس؛ هو من كان أمينًا، ولا يعرف إلا إذا كان صادقًا، ولا يعرف إلا إذا كان نظيف المعاملة نظيف اليد في أخذه وعطائه، ولا يمكن أن يتعامل معه الناس إلا إذا عُرف بالنزاهة؛ لأنه ليس هناك ثقل دعاية، وليس هناك ثقل إغراء، وإنما هناك المعاملة، فيدخل إلى السوق لينافس إخوانه منافسةً شريفة، ليس فيها مغريات ولا دعاية؛ ولكنها قائمة على حق، ويستحق أن يأخذ هذه السمعة وهذا الصيت لقاء النزاهة والأمانة التي تَخَلَّق بها.
ولا يمكن أن يشتهر هذا النوع من التجار إلا بعد خبرة وبعد طول زمان، فتصبح الأسواق قد أخذت حقها، والتجار أخذ كلٌّ حقَّهُ، ومن هنا منع العلماء أن يبيع الرجل ويُرْخِص في السلعة لكي يضر بالسوق؛ لأنه إذا جعل السعر عنده نازلًا جَذَب الناس دون إخوانه، فكأنه يريد الإضرار بالباعة الآخرين، وعليه حُمِل فِعْلُ عمر رضي الله عنه وأرضاه مع حاطب بن أبي بلتعة حينما مر عليه وقد أرخص في سلعته فقال له: (إما أن ترفع، وإما أن ترتفع عن سوقنا) ، أي: إما أن ترفع السعر فتساوي إخوانك ولا تجذب الناس تحت إغراء مادي، وإما أن تقوم عن سوقنا.
الشاهد: أن هذا كله مبني على دفع الضرر.
فإذا فُتح باب الجائزة وباب المغريات اتجهت الناس للسمعة، وأصبح التاجر لو كان غير منضبط في تجارته يستطيع أن يصل إلى السمعة ويستطيع أن يبيع ويشتري لقاء المادة، وحينئذٍ لا يوجد فرق بين أسواق المسلمين وغيرهم.
إذًا: الأسواق الشريفة في الإسلام تقوم على كسب الثقة بالمعاملة، وليس تحت دعاية ولا إغراء مادي.
وأما بالنسبة لوضع الجوائز، فالعلماء رحمهم الله قالوا: إذا قُصد بها الإضرار، كأن يجذب الزبائن إلى محله أكثر من غيره فإنه آثم شرعًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا ضرر ولا ضرار) ، ولأن الجوائز ليست ربحًا له، بل فيها ضرر عليه فقد تكلفه العشرة آلاف والعشرين، بل وقد تكلفه مئات الألوف، فهذا الضرر يرضى به على نفسه من أجل أن يجذب الناس إليه دون إخوانه، فلا إشكال في وجود الضرر من هذه الناحية، وهو آثم شرعًا، ولا يجوز له أن يفعل ذلك للإضرار بإخوانه.
أما لو أن ترخيص السلع أو وَضْعَ الحوافز مثل التخفيضات كانت مدروسة كما يقع الآن، حيث ترتب عن طريق الغرف التجارية ونحوها، ويعطى كل محل فترة من الزمان يخفض سلعته، ويكون كل محل له طريقته وله ضوابطه؛ فهذا أمر يندفع فيه الضرر؛ لأني سأصل إلى حقي كما وصل إليه غيري، وأخفض كما خفض غيري، فإذا حصل فيه التكافؤ بين المحلات على هذا الوجه، فهذا لا بأس به في التخفيض.
أما لو قال لك: اشترِ مني وأعطيك جائزة، فهذا يدخله الغرر؛ لأنه باعك معلومًا ومجهولًا، فأنت لا تدري هل تحصل على الجائزة أو لا تحصل، فباعك معلومًا وهو الذي تريد أن تشتريه -مثلًا- بألف ريال، ومجهولًا وهو ما يسمى بالجائزة.
وهكذا لو غيب الجائزة في المبيع، كأن يضعها في علبة، فلو قال لك: في داخل هذه العلبة حظ أو داخل هذه العلبة جائزة، فمعناه أنك اشتريت معلومًا وهو علبة الحليب مثلًا ومجهولًا وهو الذي بداخلها، ولا يُدْرَى ما هي هذه الجائزة، بل إن هذا النوع من الجوائز يفضي إلى مفاسد عظيمة، ومن أعظمها: إتلاف الأموال، فلقد رأينا بأعيننا ونقل لنا الثقات أنه إذا وضعت الجوائز على اللبن تجد الرجل يشتري علبة اللبن وهو لا يريدها ولا يشربها.
بل لقد رأيت بعيني من سكبها ونصحته قلت: يا أخي! اتقِ الله! هل فَسَدَتْ؟ هل انتهت صلاحيتها؟ قال: لا.
أنا أريد الجائزة الموجودة فيها؛ لأنه حينما توضع الجوائز بمئات الألوف فإنه لا يريد اللبن وإنما هو يبحث عن الجائزة، فمعنى ذلك أنها تؤدي إلى إفساد الأموال، وتؤدي إلى الإضرار بها، وتخرج عن المقصود شرعًا من وجود الرفق بالناس بوجود هذه المصالح.
نسأل الله العظيم، رب العرش الكريم، أن يهدينا إلى سواء السبيل.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم وبارك على نبيه محمد.