قال رحمه الله تعالى: [ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك] .
هذا دعاء الاستفتاح يقوله بعد أن يفرغ من التكبير، فيضع يمناه على يسراه ويقول: (سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك) ودعاء الاستفتاح مشروع، وهو قول الجماهير، خلافًا للإمام مالك رحمةُ الله عليه الذي لا يراه، والصحيح أنه سنة، وقد ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم بدعاء الاستفتاح أكثر من حديث.
منها حديث أبي هريرة في الصحيح، وحديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في السنن، وكذلك أيضًا حديث قيام الليل في افتتاحه عليه الصلاة والسلام، وكذلك حديث علي رضي الله عنه: (وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض) وكلها أحاديث صحيحة في دعاء الاستفتاح، فالسنة مشروعية دعاء الاستفتاح.
فبعد أن ذكر المصنف رحمه الله وضع اليمين على الشمال في الصلاة قال: (ثم يقول) ، وذكر دعاء الاستفتاح، وقلنا: إنه مشروع على مذهب جمهور العلماء لثبوت الأحاديث الصحيحة به عن النبي صلى الله عليه وسلم، وثبت في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال له أبو هريرة: (أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول بأبي أنت وأمي يا رسول الله؟ فقال: أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي) الحديث، فدل هذا على مشروعية دعاء الاستفتاح، والاستفتاح يأتي على ثلاث صور: الصورة الأولى: أن يشتمل على التمجيد المحض.
الصورة الثانية: أن يشتمل على الدعاء المحض.
الصورة الثالثة: أن يجمع بين التمجيد والدعاء.
فاستفتاح النبي صلى الله عليه وسلم لصلاته الذي أقره وفعله عليه الصلاة والسلام أتى على هذه الثلاثة الأحوال، تارةً يعظم الله ويمجده ويسبحه ويقدسه، ومن ذلك ما ذكره المصنف من حديث عائشة رضي الله عنها في السنن: (سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك) ، واستفتح به عمر رضي الله عنه، وجهر به ليعلم الناس، ومن الاستفتاح بالتعظيم ما أقره عليه الصلاة والسلام، ففي الحديث الصحيح:(أن رجلًا دخل في الصلاة وقال: الله أكبر، الله أكبر كبيرًا والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا، فلما سلّم عليه الصلاة والسلام، قال: من الذي قال كذا وكذا آنفًا؟ قال: أنا يا رسول الله.
قال: والذي نفسي بيده لقد رأيتُ اثنى عشر ملكًا يبتدرونها إلى السماء)، فتأمل هذه الألفاظ: الله أكبر، الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرةً وأصيلًا، فكل كلمة يحملها ملك، وإذا نظرت إلى عددها وجدتها اثنتي عشرة كلمة، ولما قال رجل بعد التسمية: (ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، قال صلى الله عليه وسلم: رأيت بضعًا وثلاثين ملكًا يبتدرونها) ، فإذا عددت حروفها وجدتها بضعًا وثلاثين، فهذا من المناسبات كما يقولون، وهو يدل على فضل ذكر الله عز وجل، وهذا من الألفاظ الواردة في الشريعة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقرّ الصحابي على هذا الذكر المخصوص، وقد ثبت في الحديث أنك إذا قلت: الحمد لله تملأ الميزان، وإذا قلت: سبحان الله والحمد لله ملأت ما بين السماء والأرض، فمن أنواع الذكر أن تستفتح بتمجيد الله عز وجل، أو أن تقول: (سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك) .
أو تقول: (الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرةً وأصيلًا) ، أو يكون دعاءً محضًا كما في حديث أبي هريرة: (اللهم باعد بيني وبين خطاياي) ، فهذا دعاء محض.
أو أن تجمع، وقد جمع عليه الصلاة والسلام بين الدعاء والثناء، وذلك في حديث علي الثابت في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام فيه باستفتاحه: (وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلكَ أمرت وأنا أول المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت وأنا عبدك، ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، واعترفت بذنوبي، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرةً من عندك وارحمني إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير بيديك، اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها) ، فجمع النبي صلى الله عليه وسلم بين التمجيد وبين الدعاء، وهو النوع الثالث من الاستفتاحات، وكلٌ على سنة.
قال العلماء: إن كان الوقت طويلًا كقيام الليل، وتريد أن تكسب فضل الذكر والتأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم تقول هذه الدعاء الطويل، وكذلك صلاة الظهر تحتاج إلى الإطالة حتى تصيب السنة في إطالة الأوليين، فتقول الدعاء الطويل في الاستفتاح، وإن كان الوقت ضيقًا ولا يسع فلك أن تقول: (سبحانك اللهم وبحمدك) ، أو الدعاء المحض، أو (الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا) ، ونحوها مما يشتمل على التمجيد.